عرفت فرنسا، في خريف عام 2005، حركة اضطرابات كبيرة، شهدتها غالبية ضواحي المدن الفرنسية الكبرى وخاصة العاصمة باريس.

كانت النسبة العظمى ممن قاموا بتلك الاضطرابات وأحرقوا عشرات آلاف السيارات وعدداً من المؤسسات العامة، هم من الشباب من أبناء الهجرة. وغالبيتهم من بلدان إفريقيا السوداء وبلدان شمال إفريقيا العربية، أي من بلدان المستعمرات "السابقة".

وفي مجال الرد على تلك الاضطرابات جرى تنشيط جهاز شرطة متخصص بمكافحة الشغب في الضواحي. وهذا الجهاز بالتحديد هو موضوع الكتاب الذي يحمل عنوان: "قوة حفظ الأمن" لمؤلفه، الأستاذ في جامعة برنستون، ديدييه فاسّان.

يتعرض الكتاب لما يسميه المؤلف: "قصة شرطة الأحياء". وهو أوّلاً ثمرة تحقيق طويل قام به ديدييه فاسّان، لدى "كتيبة مكافحة الجريمة" في أحد ضواحي باريس، خلال الفترة الواقعة بين 2005 و2007. ويبين المؤلف، طبقاً لأقرب موقع ممكن من رجال الشرطة، كيفية نظر ساكني الأحياء، إلى عمل هؤلاء الرجال.

مبيناً كيف تجري الحياة اليومية لديهم. ويتعرّض أيضاً لمظاهر كثيرة في حياتهم، ليس أقلّها ما يلاقونه من صعوبات ومدى الشكوك التي ترافق مهنتهم والأشكال "غير المرئية" للعنف وعلاقاتهم "الغامضة"، مع عالم السياسة والسياسيين.

وكذا يستعرض حقيقة ما يواجهونه اليوم، في إطار أجواء تعاظم مشاعر العنصرية والتمييز، وما يطرحه ذلك كله من تساؤلات كبيرة حول "أخلاقيات المهنة"، كما يعيشها رجالها. إن هذه المظاهر، تشكل بمجموعها، المادة الرئيسية لفصول الكتاب، والتي تحمل عناوين عدة، منها:"التحقيق" و"أشكال العنف" و"أشكال التمييز العنصري" و"السياسة" و"الأخلاق" و"الديمقراطية".

ومن خلال ذلك، وبعد عشر سنوات من اضطرابات خريف عام 2005 في فرنسا، يعود المؤلف لتنفيذ الطرق التي تعامل بها رجال الشرطة، وفي الوقت نفسه لما تعرّض ويتعرّض له، هؤلاء اليوم. والكتاب فريد من نوعه، كونه الأول الذي يتابع "عن قرب"، ولـ"مدة طويلة"، عمل جهاز شرطة الأحياء، المعروف بتسمية "كتيبة مكافحة الجريمة".

يعود المؤلف أولاً، إلى شرح الأسباب التي دفعت نحو تأسيس "كتيبة مكافحة الجريمة" في باريس للمرّة الأولى، في العام 1971، مع الإشارة الى أن "وحدات" هذه الكتيبة لم تعرف وجودها الملموس سوى في سنوات التسعينات من القرن الماضي. ويحدد المؤلف القول في توصيف عناصرها، بأنهم "رجال شرطة يرتدون لباساً مدنياً. ويتجولون في سيارات عادية، حيث إن مهمتهم الرئيسية تتجه نحو مكافحة الجرائم المشهودة".

المجالان الأساسيان اللذان تتدخل فيهما عناصر الجهاز المعني، يحددهما المؤلف بـ"المشاكل المتعلقة بالأمن العام"، مثل الجنح المتعلقة بالسرقة، مع استخدام العنف أو النشل أو غير ذلك، والمجال الآخر يخص "النظام العام" في حالات المواجهات بين العصابات مثلاً. وأما أماكن وجود عناصر الشرطة المعنيين، ففي الأحياء المعروفة بـ"المناطق الحساسة". وهذه المناطق فيها عامة، أعداد كبيرة من المهاجرين ومن أبناء الهجرة، وهي تشهد غياب الأمن إلى هذه الدرجة أو تلك.

وهي اصبحت، بهذا المعنى، وحدات "كتيبة مكافحة الجريمة"، وتدعى لدى عامة الشعب "شرطة الضواحي الحساسة"، أو ما يعبر عنه البعض : "الذراع المسلّحة للسياسة الأمنية". ولكن لا يتردد مؤلف الكتاب، في القول ان هذه "الوحدات" من رجال الشرطة، تقوم عملياً بالكثير من الأعمال التي لا تتفق مع الغايات التي جرى إنشاؤها من أجل القيام بها.

والنشاط الأكبر لعناصر هذه الوحدات، القيام بـ "دوريات محمولة" في عرباتهم، وذلك ضمن المناطق الواقعة في إطار مجال عملهم الجغرافي. وهم "يتدخّلون" عامة، إما بناء على اتصال هاتفي من أحدهم، وإما عبر القيام بمبادرة التواصل المباشر مع السكان.

وما يؤكده المؤلف هو أن عدد الاتصالات الهاتفية الليلية التي يتلقّاها المعنيون، أقل بكثير من ما يتصوره الناس العاديون، إذ ان هذه الاتصالات لا تتجاوز كـ"معدّل وسطي"، الاتصالين أو الثلاثة كل ليلة، وليست قليلة هي الليالي التي لا يتلقون فيها أي اتصال.

ثم إن القسم الأكبر من الاتصالات ينكشّف أنه لا تعني الشيء الكثير. وينقل المؤلف عن أحد رجال الشرطة المعنيين، قوله انه خلال سبع سنوات من الخدمة "لم يقبض سوى على لص واحد بالجرم المشهود". ثم يضيف: "لقد ترك نفسه كأي أحمق، حبيس المنزل الذي كان يريد سرقته، وكل ما فعلناه، أننا لم نصرف أي جهد للقبض عليه".

ومن النتائج التي يؤكد عليها المؤلف، من خلال الاستقصاءات العديدة والطويلة، التي قام بها، أن كثيرين من رجال شرطة كتيبة مكافحة الجريمة، والذين التقى بهم "كانوا قد أدركوا أن مهمتهم تكمن بالدرجة الأولى، في خدمة السلطة القائمة، من خلال تقديم الأرقام عن الجرائم".

ولكن الأرقام مضخّمة، خاصة من حيث النوع. وذلك رغم أن إجابة كثر منهم، أنهم "انخرطوا في مهنتهم، من أجل القبض على اللصوص والمارقين". ولكن أيضاً، يبقى الواقع يقول شيئاً آخر. وبذا فهم بالتالي يعانون "مشاعر حرمان حقيقية".

كما أن الأكثر عمقاً في المشكلة يكمن، كما يشرح المؤلف، في كون السياسة الأمنية، ترمي بالوقت نفسه، إلى طمس واقع غياب المساواة، وإلى معاقبة أولئك الذين هم ضحايا هذا التمييز المشين. ناهيك عن السلوك ذي الطابع العنصري، والذي قد يصدر أحياناً من قبل رجال الشرطة أنفسهم.

وبالعموم، يحاول مؤلف الكتاب، تعميق النقاش الضروري والملحّ، كما يراه، حول دور الشرطة في الأحياء والأوساط الشعبية، وخاصة حيال الجيل الشباب من أبناء الهجرة.

 

الكتاب: قوة حفظ الأمن قصة شرطة الأحياء

تأليف: ديدييه فاسّان

الناشر: سويل باريس 2011

الصفحات: 392 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

 

La force de lordre

Didier Fassin

Seuil - Paris- 2011

392 p.