يتطرق مؤلف كتاب «السيرة الهلالية دراسة للراوي والرواية» ، خالد عبدالحليم أبو الليل، لموضوع الكتاب، انطلاقاً من جملة اعتبارات، يشير في خضمها إلى أن السيرة الهلالية بمثابة ملحمة عربية جديرة بالدرس والفحص على الدوام، وهو نفسه ما حظيت به السيرة فى الدراسات الأجنبية، لما فيها من قيم وأفكار ووصف لأحوال العرب وجوهرهم الإنساني.
ويبدأ أبو الليل، دراسته من زاوية ورؤى تناول منفردين، إذ يفيد فيهما أن ما يميز كتابه طابع البحث والتقصي من قاعدة المنظور الاجتماعي، وهو ما يجعل بحثه في موضوع تلك السيرة، متجاوزاً طابع التكرار وعدم الإتيان بجديد، فالمكتبة العربية مليئة بمئات الكتب التي تبحث فى جوانب السيرة الهلالية المختلفة.
ويعتمد أبو الليل، في هذا الخصوص، على منهج علمي للبحث، نجد أنه بدأ فيه بمرحلة الجمع الميداني حول موضوع السيرة الهلالية، فجمع الكثير من المعلومات من الميدان (من محافظة قنا في صعيد مصر)، سعياً إلى أن يكون قريباً من السياقات الإنسانية للإنسان القناوي (اجتماعياً وثقافياً)، وبالتالي ليستطيع التقاط العلاقة بين ما في السيرة من أفكار وقيم مقارنة، وما يعايشه فى الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان في قنا. وبذلك طبق المنهج (الاثنوغرافي) أي (وصف الشعوب) بعد أن تطور كثيراً عما كان عليه المصطلح والمنهج على يد مبتكره (كامبل) عام 1807م.
وأما المرحلة التالية، في ما بعد الجمع الميداني والتدوين، أي مرحلة التحليل والدراسة، فاعتمد المؤلف أبو الليل، على الصيغ الشفاهية (الدراسة تقوم على نصوص شفاهية شعرية ونثرية). وبذلك يمكن للباحث أن يعي ويفهم طبيعة العملية الإبداعية للفنان الشعبي فى السيرة الهلالية.
ولما كانت محافظة (قنا) أكثر المحافظات ارتباطاً بالسيرة الهلالية، فقد سهل المنهج السابق التعرف إلى مجتمع السيرة الهلالية على وجهين، وكل منهما مرآة للآخر. الوجه الأول هو مدى تأثير السيرة في المجتمع المصري، وعلى مدى الأجيال المختلفة. والوجه الآخر هو مجتمع الرواة الذين أفنوا حياتهم عشقاً فى السيرة.
وتكفي الإشارة إلى مقولة الراوي الشهير للسيرة "سيد الضوى"، في حواره مع الباحث، إذ قال: "إن المقاطع الشعرية للسيرة، خمسة ملايين مقطع، وكل مقطع مكون من أربع أو خمس أشطر شعرية!".
ولا يلقي الراوي للسيرة الترحيب والموافقة دوماً، أثناء أداء السيرة، ذلك لأن المتلقي كثيراً ما يوجه الراوي إذا حاد عن ما في ذهنه. وبالتالي نجاح الراوي يتوقف على نجاحه فى تفهم احتياجات جمهوره، أي أن إبداع الراوي متوقف على إبداع المتلقي، حتى إن الجمهور كثيراً ما يوقف الراوي ويمنعه من إكمال روايته.
وقد ربط الباحث التاريخ بالسيرة، وسعى كثيراً لتوثيق الحدث أو الأحداث، على أساس أنها تاريخ وقع وتحقق، وهو ما يرفضه بعض رواد الدراسات الشعبية، مثل د. أحمد شمس الدين الحجاجى، وقد أورد الباحث الحجاجى مثالاً على رفضه لتأريخ السيرة، وانتمائه، وذلك كون السيرة عملاً إبداعياً شعبياً يربط بالشاعر (الراوي) والجمهور ومكان رواية السيرة.
واستشهد في ذلك بتعدد الروايات، فإحدى الروايات تذكر أن أبا زيد، سافر إلى تونس فى الريادة مع أبناء أخته (يونس ومرعي ويحيى)، وعادوا جميعا إلى نجد، فى حين تذكر رواية أخرى، أن عزيزة استبقته في قصرها. وأما مرعي ويحيى فقد قتلا، وعاد أبو زيد وحيداً. وتذكر رواية ثالثة أن الأشقاء الثلاثة، بقيوا أحياء في تونس.
وقد أورد الحجاجي رأيه هذا فى المقدمة، رداً على سجله الباحث قائلًا فى كتابه: "يخطئ من يظن أن السيرة الهلالية مجرد مجموعة حكايات غنائية يؤديها مجموعة من الشعراء، بهدف الكسب المادي، إلى جمهور معظمه من الأرياف، بهدف تسليتهم وتزجيه فراغهم". فالسيرة الهلالية فى حقيقة الأمر، ولمن يتأملها، هي تاريخ "شفاهي".
وليست لقبيلة بني هلال فقط، وإنما لعدد ضخم من القبائل والشعوب العربية التي تناقلتها". ويوزع مؤلف الكتاب، محاور دراسته، ضمن نقاط تفصيلية متنوعة، فيخصص الجزء الأول لمدخل البحث وبياناً بالمنهج البحثي، ويعقبه بدليل للقارئ يجمل فيه بعض الكلمات التي وردت فى السيرة، ومسجلة بالكتاب، ذلك لأنها باللهجة القناوية. ويتطرق بعدها إلى مجموعة موضوعات، منها: السيرة الهلالية والمجتمع القناوي، صورة ومشاكل العمل الميداني الذي مارسه وعاشه الباحث، السيرة الهلالية بين الهواية والاحتراف، السيرة الهلالية بين المدون والشفاهية.
وفي الجزء الثاني من الكتاب، وضع المؤلف مجموعة الملاحق التابعة للكتاب، والتي أرفقها الكاتب بمتنه، وهي كثيرة ومتعددة، وذلك بعد أن جمع روايات للسيرة الهلالية في واقع 150 ساعة أنشدها الرواة، وهي مسجلة بالصوت والفيديو، وموثقة بالصور الفوتوغرافية، وهذا بالإضافة إلى ملحق الحوارات مع الرواة، وكذلك ملحق لبعض المواويل والمربعات الهلالية المتفرقة، وكذلك ملحق عن الآلات الموسيقية وأسماء الرواة والشعراء.
ولا يغفل المؤلف أن يبين تفاصيل ومضمون محتوى مصطلح "سيرة"، إذ يوضح أنه المصطلح العربي الذي اتفق عليه الدارسون العرب والرواة الشعبيون، ليطلق على ذلك النوع الأدبي الشعبي الطويل الذي يجمع بين الشعر والنثر، سارداً قصة حياة فرد أو جماعة. وقد انحصر هذا اللون الفني فى الفترة الأخيرة -شفهياً- في السيرة الهلالية. وقد حل مصطلح "السيرة" مكان مصطلح "ملحمة" أو "السيرة الملحمية"، عند بعض الدارسين العرب، ما جعل الدارسين فى الغرب يعتمدون "السيرة" كمصطلح، بدلاً عن "الملحمة" فى دراستهم للتراث الشعبي العربي.