يلفت مؤلف كتاب«مشاهير الكرد وكردستان»، في مستهل بحثه، إلى حقيقة علمية مهمة، يوضح معها أنه لا يخفى على احد أن تراجم العظماء وسير الأبطال في آداب الأمم والحضارات العظيمة، تشغل أسمى مكانة.

وأن استعراض حياة الشخصيات البارزة في تاريخ الدول والملوك يحفز الشباب على اقتفاء آثارهم واتباع سننهم. وكذا يثير فيهم أيضاً، الإقبال على دراسة التاريخ القومي الذي يغذي الشعور الوطني باستيعاب عبره وعظاته ومآثره. ويؤكد المؤلف أنه غني عن البيان أن قليلا من الناس يعرف تمام المعرفة ما قدمه الشعب الكردي في مختلف عهود التاريخ الإسلامي، من الخدمات العظيمة والتضحيات الكبيرة في سبيل الدفاع عن الحضارة الإسلامية والثقافة العربية.

وينتقل هنا ليوضح أن كل من ألقى نظرة إمعان على أمهات التواريخ الإسلامية، ولاسيما كتب التراجم، رأى شواهد كثيرة تدله على دور وقيمة إسهامات للشعب الكردي ورجاله. ويفرد صفحات مهمة للحديث عن طبيعة وتميز منحى إسهام الاكراد في الحضارة الاسلامية منذ بدء ظهورها، ومن ثم ما تلاها من العهود المختلفة، إذ يتبدى ذلك في أثر واضح، ضمن الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية والحركات السياسية والعلمية.

ولا يغفل مؤلف الكتاب محمد أمين زكي، الوزير الكردي في الحكومة العراقية سابقاً- عضو مجلس الأعيان، والذي أصدر سلسلة من الكتب التاريخية باللغة القومية ونقلها إلى العربية ليعم نفعها، وذلك ككتابه (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور حتى الآن)، لا يغفل أبداً تتبع ورصد تفاصيل هذا الموضوع، في كافة حيثياته. وقد تم تعريب الكتاب وطبع الجزء الأول منه سنة 1939 م. وهذا الكتاب القيم يتسم بالإيجاز وكذا التوسع في تفصيلات بعض التراجم.

ولكنه يشتمل على التكرار، وذلك إما لتشابه الأسماء أو لاختلاط الأسماء والألقاب والكنى بعضها ببعض، من جراء اختلاف المصادر وتعدد العصور التي تعرض المؤلف لذكر رجالها ونسائها لمجرد اتحاد أوائل حروفها. وعلى الرغم من هذا، يعد الكتاب الأول في هذا الموضوع البكر.

ويمثل بحق، أوفى سجل يحتوي على رجال الأكراد من حكام وقواد وعلماء ومشايخ وشعراء من الرجال والنساء . فقد بذل المؤلف جهودا جبارة في جمعها وترتيبها. ولم تأل زوجته أي جهد في سبيل نقل الكتاب إلى العربية، على قدر استطاعتها، فقد أجادت النقل بأمانة وإخلاص.

يسرد مؤلف الكتاب، معلومات تفصيلية، حول أعلام ومشاهير الكرد، ومنهم: صلاح الدين الأيوبى ، هو أشهر مشاهير الكرد وأعظم أبناء هذه الفئة من الناس، إذ ولد صلاح الدين سنة 1137م فى تكريت- العراق، وتوفي في 4 مارس سنة 1193 م، في دمشق. وهو من قضى على الفاطميين، ومذهبهم الشيعي فى مصر، وأسس الدولة الأيوبية فى مصر وبقى سلطان مصر والشام.

ويعد قائداً كردياً مسلماً كبيراً من العصور الوسطى، نال احترام الشرق والغرب، وهو محارب فذ، حارب الصليبيين وانتصر عليهم فى معركة ضخمة عرفت باسم معركة حطين، واستطاع فيها استرجاع القدس وتحريرها من الصليبيين، وذلك بعد أن بقيت 90 سنة تحت هيمنتهم. وقد وحد مصر والشام لكي يحاصر الصليبيين، ويؤسس لجيش قوي يمنع به غارات الفرنجة على مصر والشام والمنطقة العربية.

ويشير مؤلف الكتاب، الى أنه عاش صلاح الدين 10 سنوات في دمشق، في بلاط نور الدين محمود. واشترك مع عمه أسد الدين شيركوه، فى حملات أرسلها نور الدين محمود إلى مصر، في عهد الخليفة العاضد الفاطمي الديني، وبقي وزيره بعد وفاة عمه.

وقضى على الخلافة الفاطمية والمذهب الشيعي في مصر في سنة 1171. وأعلن استقلاله بعد وفاة نور الدين محمود في العام 1174، ومن ثم نصب نفسه سلطاناً على مصر، وضم دمشق وحمص وحماة وحلب. كما حارب الصليبيين وهزمهم في معركة حطين في العام 1187. واستولى على بيت المقدس، ثم شن الصليبيون، بعد معركة حطين، الحملة الصليبية الثالثة، واستولوا على عكا، وانهزم صلاح الدين فى معركة ارسوف (1191).

وينتقل المؤلف زكي، إلى الحديث عن درويش الكردي، عميد عائلة درويش، فيوضح أنه عرف بـ (كله جيري)، وهو من عشيرة (روزكي روجكي) الكردية. وكان كاتباً قديراً وشاعراً لبيباً يقلد في أسلوبه (مولانا حكيم الدين إدريس البتليسي )، وكان كاتباً عند (شرف بك) أمير بتليس. وبعد وفاة الأمير سافر إلى الآستانة وتقرب إلى الصدر الأعظم رستم باشا، وأصبح مرجعاً لأمراء كردستان في أسطنبول.

وبالنسبة إلى الشيخ محمود الخنسي، يلفت مؤلف الكتاب إلى أنه من كبار المرشدين والأفاضل في كردستان الشمالية. وهو والد المرحوم الشيخ سعيد النقشبندي، الذي قاد ثورة عام 1925م الوطنية في تركيا. وتوفي في خنس (وهي بلدة تقع في شمال بحيرة وان )، في العام (1316هـ) . ويبين زكي أن الشيخ محمود التلوبي، يعد أيضاً من الشخصيات الكردية البارزة.

وهو مدرس وشاعر. وينحدر من السلالة الخالدية الكردية في سعرد. كما أنه كان مدرساً في الجامع الكبير بسعرد، وكتب تقريظاً لكتاب (الهدية الحميدية في اللغة الكردية)، وتبدأ قصيدته على الوجه الآتي :

عوفيت من موجبات السوء والكمد

وعشت يا ابن كرام القدس في رغـــد

إذ قمت تنشر أنوار المعــــــارف بعد

بسطك العدل في الأطراف والبلــد

وهذه القصيدة دليل على قوته في الأدب العربي، مع علمه الغزير المتداول في ذلك العصر، وهو ابن عم صاحب كتاب (الهدية الحميدة) .

 

 

 

 

الكتاب: مشاهير الكرد وكردستان

تأليف: محمد أمين زكي

الناشر: دار الزمان للنشر والطباعة  والتوزيع 2011

الصفحات: 518 صفحة

القطع: الكبير