أمضت الأستاذة الجامعية ماري روميرو، عقدين كاملين من البحث في المسائل المتعلقة بالعدالة الاجتماعية في المجتمع الأميركي، على خلفية الطبقة والعرق والعائلة. وهي تعود في كتابها الأخير الذي يحمل عنوان: "ابنة الخادمة" إلى الموضوع نفسه.
إن المؤلفة تناقش في هذا العمل بالتحديد قضايا الانتماء والهوية ومعارك الحياة اليومية بالنسبة للمهاجرين ذوي الأصول الاسبانية الذين قدموا للعيش في الولايات المتحدة من بلدان أميركا اللاتينية عامة، ومن المكسيك المجاورة بشكل خاص.
وهي تعالج هذه القضايا كلها من خلال تجربة حياتية محددة، عايشتها عن قرب وتخص "أوليفيا"، المكسيكية، التي كانت قد تركت أسرتها وتقاليدها في المكسيك منذ طفولتها، وغادرت إلى الولايات المتحدة للعيش مع والدتها في أحد أحياء مدينة لوس انجلوس الغنيّة، حيث كان السكان، كلهم تقريبا، من البيض.
وترى ماري روميرو، في "أوليفيا" طفولتها هي نفسها ومسيرة حياتها، حيث انها كانت قد عرفت كل أشكال الصراع خلال مراهقتها، قبل أن تعلن "استقلالها" وتذهب إلى المدرسة، لتصبح بعد ذلك أستاذة جامعية ناجحة. وليس من الصعب أن يرى القارئ في قصة "اوليفيا" بعض المحطات الأساسية في مسيرة حياة مؤلفة الكتاب نفسها. وتشير المؤلفة الى أنها عاشت ورأت مدى "المظالم الاقتصادية الاجتماعية بالعمل المنزلي" في الولايات المتحدة.
وفي التفاصيل يتم التأكيد على الفوارق الكبرى في الطعام واللباس وأمكنة النوم. والإشارة الى أنه في الوقت الذي كان فيه أبناء الأسرة يعيشون حياتهم بصورة طبيعية، كانت اوليفيا تواجه أسئلة صعبة تتعلق بالهوية، وتبحث عن مكانها وسط الجالية المكسيكية-الأميركية، التي حافظت على الكثير من عادات وتقاليد مجتمعها الأصلي.وعبر الأحاديث الطويلة على مدى سنوات، بين المؤلفة و"اوليفيا"، يتم توصيف حياة هذه الأخيرة منذ أن كانت تلميذة في المدرسة الابتدائية، وحتى ممارستها العديد من النشاطات الاجتماعية في شبابها.
والتأكيد أن تلك التي بدأت مسيرة حياتها كـ"ابنة خادمة"، استطاعت أن "تجتاز" بعد ذلك جميع الحواجز "الطبقية"، لتصبح عنصراً فاعلاً في المجتمع الذي تعيش فيه. إنها كانت بهذا المعنى "داخل الحلم الأميركي"، بما حققته، ولكن أيضاً "خارج الحلم الأميركي" بواقع التهميش الذي عانت منه بسبب أصولها وعمل أمها. ومن هنا بالتحديد يأتي العنوان الفرعي للكتاب: "العيش داخل وخارج الحلم الأميركي".
وإذا كان هذا الكتاب مكرّسا لدراسة حالة "اوليفيا" ولما تعنيه من دلالات، فإنه بالوقت نفسه، عمل عن العمّال المنزليين في الولايات المتحدة الأميركية. وذلك باعتبار أن هذه الظاهرة لها وزنها على مستوى "الاقتصاد السري، غير المعلن".
وأيضاً الظاهرة التي تطرح الكثير من الأسئلة إن القارئ "يعيش" في هذا الكتاب الكثير من اللحظات التي عاشتها "اوليفيا سالازار"، تلك المرأة المكسيكية التي وُلدت وترعرعت كابنة خادمة، كما يتم تقديمها مرّات ومرات. ولكنه من خلال قصتها أيضاً يتم طرح العديد من الأسئلة والمفارقات. الأسئلة حول معنى العيش فقيرا في وسط ثري.
وعلى المنوال نفسه، يمثل الحديث باللغة الاسبانية، لغة الأميركيين المكسيكيين، غالباً، "امتيازاً في بعض الأحيان". ولكن "يتم النظر إليه بنوع من الازدراء في أحيان أخرى". كما ان التحدث باللغة الاسبانية يمثل نوعا من الحنين إلى هوية الأصل، ولكنه يخلق بالوقت نفسه إشكاليات حقيقية فيما يتعلق بمسألة الانتماء إلى الهوية الأميركية، هوية البلاد الجديدة "بالتبنّي".
وتتمثل إحدى الأفكار التي تتردد في تحليلات الكتاب بالقول إن العمل الذي يمارسه الأهل، أي الأم، في سياق مسيرة حياة اوليفيا سالازار، يكون له بالضرورة انعكاساته على سلوك الأبناء. وهذا ضمن المقياس الذي يكون فيه الأفراد "منتجات منطقية" للوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه.
ولم تكن طريقة معاملة الأسرة الثرية، التي عاشت سنوات بكنفها، بعيدة عن تحديد نمط سلوكيتها أيضاً، خاصة وأن جميع محاولاتها للقيام بـ"نقاشات جدية"، كانت تقابل بقدر كبير من عدم الاكتراث، وهذا إذا لم يكن من الازدراء.
ولعل أهم ما يميّز هذا الكتاب، ليس كون مؤلفته باحثة اجتماعية متخصصّة بالعمل المنزلي في أميركا والمسائل المتعلقة فيه فحسب، بل إن الآراء المطروحة فيه تمثل في الوقت نفسه، الكيفية التي ترى بها اوليفيا سالازار "ابنة الخادمة"، سبل "تجاوز الهوة الثقافية" الفاصلة بين الثقافة المكسيكية وثقافة الأميركيين الأغنياء في لوس انجلوس. ولعل النتيجة التي تؤكد عليها المؤلفة أكثر، ومن قبل اوليفيا أيضاً، أن "الانتماء الحقيقي ضئيل".
وعبر حكاية "اوليفيا" تبيّن ماري روميرو، كيف أن الحلم الأميركي لا يزال يتغذّى من الأساطير التي تسكن مخيلة العمال الفقراء الذين يتوقون للذهاب إلى الولايات المتحدة.
الكتاب: ابنة الخادمة العيش داخل الحلم الأميركي وخارجه
تأليف: ماري روميرو
الناشر: جامعة نيويورك 2011
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
The maids daughter
Mary Romero
New York University Press- 2011
288 p.