سادت في العقود الأخيرة نظرية مفادها أن الإنسان هو مجرد كائن اقتصادي. وقد وجدت تلك النظرية القبول لدى طيف واسع من المفكرين والباحثين ورجال السياسة.
الأب-المؤسس لتلك النظرية هو العالم الاقتصادي الشهير آدم سميت وهي مقبولة اليوم من اليمين اللبرالي وحتى اليسار الماركسي الجديد الذي كان عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو هو أحد رموزه. وفي مقابل هذه النظرية ارتفعت بعض الأصوات ومن بينها أستاذ الاقتصاد وعلم الاجتماع آلان كايي، الذي يقدّم كتاباً تحت عنوان "من أجل بيان حول العيش المشترك". وهو يشرح فيه كيف أن الإنسان "يميل بطبعه إلى العطاء والتواصل مع الآخرين"، وليس كائناً اقتصادياً بالدرجة الأولى.
ولكن ما هو المخرج الممكن؟ يسأل المؤلف ذلك ومن ثم يؤكد مباشرة أن الايديولوجيات السياسية الموروثة ليست، كما يبدو، على مستوى التحديات التي تطرحها المرحلة الراهنة. وفي هذا السياق من المناسب الالتفات نحو مصادر التفكير الأكثر تجديداً والتي عرفتها السنوات الأخيرة المنصرمة. وليس أقل هذه المصادر الفكرية أهمية تلك التي تقول بتخفيض إيقاع النمو الاقتصادي، والبحث عن مؤشرات جديدة للثروة، وتبنّي مفهوم عطاء الآخر والدفاع عن أنماط الحياة التقشفية.
وهذه الأمور كلها يجمعها آلان كايي، في إطار "طريقة جديدة- للعيش المشترك". وهذه الطريقة تتماشى، كما يقول، مع معطيات الواقع الذي تعرفه منذ سنوات السبعينات في القرن الماضي. والمعطى الأول هو أن هذه البلدان تعرف تباطؤاً في إيقاع النمو الاقتصادي، خلال الفترة المعنية. والمعطى الثاني أن أشكال عدم المساواة تميل نحو التزايد، بل "الانفجار"، كما يحدد المؤلف القول. وعلى أساس هذه الخلفية في تحديد معطيات الواقع القائم في البلدان الغربية، يبتعد المؤلف عن أطروحة النموذج الذي عرفه الغرب خلال العقود الأخيرة.
والذي لا يزال القسم الأكبر من البلدان النامية "يستلهم" منه، إنما يعيش اليوم "المرحلة الأخيرة من حياته"، وهو محكوم بالزوال المؤكد. وذلك على أساس أنه قائم على "تطلّع لا يمكن إشباعه"، بهدف زيادة الإنتاج المادي أكثر فأكثر، ولكنه نموذج لم يعد من السهل الدفاع عنه.
ولا يتردد المؤلف في القول إن مثل هذا التجديد في الفكر يتطلب بالضرورة ثورة أخلاقية حقيقية ترمي إلى المساهمة بنشر مبادئ أخلاقية ذات تطلّع كوني يونيفرسال. ذلك على خلفية القول إن المشاكل المطروحة على المجتمعات الغربية هي ذات أبعاد عالمية تتجاوز حدودها الخاصة. ولكن "ثورة" تحترم بالوقت نفسه مختلف الهويات ولا ترمي إلى نوع من فرض نمطية ثقافية واحدة على الجميع.
جوهر الثورة الأخلاقية التي يطالب بها المؤلف يتمثل في التأكيد على قيم محبة الآخر، أي تلك التي تدعو إلى روح التعاون وتقوم عليها. ذلك بهدف تشجيع البشر على متابعة العمل من أجل تدعيم سبل وأدوات العيش المشترك.
مثل هذه الأخلاق الجديدة تشكل، حسب المؤلف، العنصر الأساسي لتحقيق الحياة الجيدة. وتخلّي البشر عن البحث عن مكاسب مادية أكثر فأكثر، ومما يسمح لها بالمقابل بإعطاء معنى لحياتهم. والخطوة الأساسية في السبيل الجديد يتم تحديدها بضرورة معارضة الاجتياح العام، الذي يقوم به المنطق التجاري السائد في ظل اللبرالية المعولمة، وسيادة اقتصاد السوق. والإشارة إلى أن مثل هذا المسار عرف بداياته منذ سنوات الستينات في القرن الماضي، عندما أراد علم الاقتصاد أن يقترب من العلم الاجتماعي العام. كذلك أخذت الفلسفة السياسية منحى أكثر فأكثر اقتصادية. ونتيجة ذلك سادت الأسواق خلال سنوات التسعينات، والعقد الأول من القرن الحالي( الـ21)، وعالم المال على جميع النشاطات الإنسانية.
ويشرح المؤلف أن تاريخ الفلسفة والأدب وتجارب الحياة الإنسانية المعاشة، كلها تقول، شيئاً واحداً، وهو أن الإنسان لا يعمل حسب منطق الفائدة الفردية. ويجري التأكيد أن هناك عالماً آخر يحاول أن ينبثق، وأن تجارب عديدة وتيارات فكرية متنوعة تحت تسميات متعددة تشدد كلها على أن تحديات العالم القائم، وتتطلب بروز اقتصاد جديد، اقتصاد اجتماعي يقوم على التضامن والتجارة العادلة وسياسة المشاركة والتعاون بين الشعوب. فمواجهة العالم القائم تتطلب مواجهة تحدياته.
الكتاب: من أجل بيان حول العيش المشترك
تأليف: آلان كايي
الناشر: بور دو لو باريس 2011
الصفحات: 120 صفحة
القطع: الصغير
Pour un manifeste du convivialisme
Alain Caillé
Bord de LEau - Paris- 2011
120 p.