تعرف القارة الأوروبية وهي تشهد مسارها التوحيدي في إطار الاتحاد الأوروبي نقاشات حادّة حول المسائل المتعلّقة بالهوية وحول طبيعة العلاقة بين الهوية الأوروبية والهوية الوطنية لكل بلد من البلدان الأوروبية. والوجه الآخر لهذه النقاشات يتمثّل خاصّة في تعاظم ظاهرة العنصرية التي تتم ترجمتها العملية في تنامي موجة العداء حيال المهاجرين القادمين بنسبة عالية منهم من المستعمرات السابقة للقوى الاستعمارية الأوروبية السابقة .

تتوزع مساهمات هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية يدرس الأول منها " الآفاق النظرية لمفهوم الانتماء". وذلك من خلال العلاقة بين الانتماء والهوية الأوروبية وعلاقتهما مع الهجرة وبين "نحن" و"هم" في الخطاب السائد، كما جاء في عنوان أحد الفصول. ويدرس الفصل الأخير من هذا القسم "معضلات العلمانية: أوروبا والمعتقدات الدينية ومشكلة التعددية".

وتنضوي مساهمات القسم الثاني تحت عنوان "الأشكال المؤسساتية لواقع التمييز العنصري في أوروبا"، إذ تتم أوّلاً دراسة العلاقة بين العنصرية ومناهضة العنصرية والدولة في أوروبا، ثم ثقل ودور أصوات المهاجرين فيها. وفصل عن التعددية الثقافية للمجتمعات الأوروبية، وترجمة ذلك على صعيد الدولة والمسائل المتعلّقة بحقوق الإنسان. والاهتمام بعد ذلك بدراسة العلاقة بين المهاجرين وأسواق العمل الأوروبية.

وتدرس إحدى المساهمات الحالة البريطانية، على ضوء الهجرات في عصر ما بعد الحداثة. وأما القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب، فهو عن "حالات الانتماء والاستبعاد" والابتداء بدراسة العنف الرمزي، كما يقول عنوان الفصل الأول فيه. ثم فصل حول "أصوات المهاجرين بين التضامن والمقاومة". ويلي هذا مساهمة عن "التعددية الثقافية السعيدة لأزمة الليبرالية الهولندية" . وفي خاتمة الكتاب يقدّم مسعود كمالي شرحا مفصلا لموضوع "التمييز العنصري كإرث أوروبي حديث".

والموضوع الرئيسي لهذا الكتاب كما تنمّ عنه عناوين أقسام هذا الكتاب هو عامّة الهوية الأوروبية. وذلك على ضوء المسائل المتعلّقة بالانتماء والهجرات والنزعات الوطنية والدولة ومفهوم المواطنة. والسؤال الجوهري الذي يطرحه المساهمون فيه يتعلّق بتعريف الهوية الأوروبية نفسها والمقوّمات التي تقوم عليها. فهل تقوم الهوية الأوروبية على الخصوصيات العرقية؟

بعد الإشارة إلى أن أطروحات عديدة لاقت أصداء كبيرة اعتبرت أن عصب الهوية الأوروبية هو العرق الأبيض، وأن الرجل الأبيض هو النموذج الحضاري. تؤكد التحليلات المقدّمة على أنه ليس هناك عرق أوروبي في الواقع، ولا يمكن تصوّر وجود وحدة عرقية من روسيا إلى اسبانيا والبرتغال والجزر اليونانية. ويتردد أيضا القول ان مثل هذه الأطروحات العرقية فقدت الكثير من مصداقيتها منذ التوسع الاستعماري الذي شرعت به دول أوروبية، على رأسها بريطانيا وفرنسا منذ القرن السادس عشر؛ الأمر الذي كانت له تداعياته العميقة على التكوين العرقي في الواقع الأوروبي. ثمّ جاءت حركة الهجرات اللاحقة لتزيد من كثافة "الموزاييك"، العرقي في القارّة الأوروبية القديمة.

وأصوات أخرى تقول ان أوروبا ذات هوية دينية مسيحية. ومن ما يتمّ التأكيد عليه بهذا الصدد هو أنه منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية سادت حالة من التنافس الكبير بين الكاثوليك والبروتستانت أنفسهم، وصولاً إلى مذابح رهيبة وحروب دين استمرّت عدّة عقود. وكذلك، وعلى غرار التنوع العرقي الذي ترتب على حركات الهجرة، عرفت أوروبا تنوّعاً على مستوى المعتقدات الدينية، أصبح من الصعب معه الحديث عن هوية أوروبية مسيحية. ومن المقوّمات الأخرى التي تتردد كأسس في الهوية الأوروبية.

وهناك القول بأنها تترجم تطلّعا علميا مشتركا. وإذا كان الساهمون يقرّون في هذا الكتاب بالمنجزات الحقيقية الرائدة التي كانت الثورة الصناعية الكبرى هي إحدى ثمراتها، وساهمت بذلك في صناعة التاريخ الإنساني الحديث، فإنه يتم التأكيد أيضاً أن العلم ليس حصرا على الأوروبيين، وأن هناك حضارات عريقة أخرى، كانت لها مساهماتها التي ما كان للثورة العلمية الأوروبية أن تكون بدونها، وليس أقل تلك الحضارات الحضارتين العربية والصينية.

ويلحّ البعض على القول ان الهوية الأوروبية تمثّل ترجمة لمنظومة أخلاقية تقوم على أساس حقوق الإنسان ذات المنشأ الأوروبي. ويركز آخرون على أوروبا ككيان اقتصادي انبثقت منه الرأسمالية الصناعية ثم الفكر الليبرالي، هذا بالإضافة إلى الحديث أحيانا عن "التفرّد الأدبي والفني" الأوروبي، دون أن يؤخذ بالاعتبار واقع وجود ثقافات كانت مجهولة في أوروبا.

كما يشار بأشكال مختلفة. والنتيجة النهائية التي تتوصل إليها تحليلات هذا الكتاب الجماعي، يمكن تلخيصها بالتأكيد على وجود أزمة حقيقية على صعيد التكامل الاجتماعي في أوروبا، إلى جانب انبثاق معطيات جديدة ناجمة عن نقص هذا التكامل، بل وظهور نزعات ذات توجهات مغايرة إلى حد كبير عن تلك التي كانت سائدة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتواكب الأمر مع "تحوّل ثقافي" ساهم فيه الازدهار الكبير الذي عرفته وسائل الإعلام بكل أشكالها، وحيث تعددت سبل الانتماء إلى هوية "اجتماعية" ذات طبيعة تعددية متمايزة بالضرورة عن الهوية التقليدية. والتأكيد أن الثقافة قد أصبحت من عدّة نواح "ساحة معركة جديدة"، فيما يخص مسألة الانتماء، بعيدا عن المجال الإيديولوجي. وفي كل الحالات تركز مساهمات هذا الكتاب على القول ان مسألة الهجرة والمهاجرين، هي ذات أهمية جوهرية بالنسبة لأوروبا الغد.

 

 

 

 

 

 

 

الكتاب: الهويّة والانتماء والهجرات

تأليف: جيرار دولانتي وروث ووداك وآخرون

الناشر: جامعة ليفربول 2011

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Identity , belonging and migration

Gerard Delanty, Ruth Wodak,andة

Liverpool University Press- 2011

256 p.