في الأدوية شفاء البشر، والعديد من الأمراض انقرضت تماماً ونجحت العقاقير الطبية في مكافحة الكثير من الأمراض. هذا أمرٌ يتفق عليه الجميع. لكن للميدالية وجهها الآخر. هذا إلى درجة أن الصحافيين الفرنسيين كورين لالو وباتريك سولال، يتحدثان عمّا أسمياه "كتاب الأدوية الأسود"، كما جاء في عنوان العمل المشترك الذي شهدته رفوف المكتبات الفرنسية أخيراً.
الحقيقة الأولى التي يؤكدها المؤلفان، أن ضحايا الأدوية في فرنسا يفوق بأربعة أضعاف ضحايا حوادث الطرق في كل سنة. وهذا على الرغم من المقولة السائدة أن الأدوية "تداوي" ولا "تؤذي". ولكن انطلاقاً من القضية الكبرى التي أثارتها "فضيحة" الدواء المعروف في فرنسا باسم "مدياتور- Mediator" الذي تناول الملايين جرعاته لمكافحة مرض السكري، يبين المؤلفان أن عامة الناس لا يعرفون كل شيء عن الأدوية التي يتناولونها.
ويطرح المؤلفان انطلاقاً من الصدمة الحقيقية التي أثارتها قضية ميدياتور عدداً من الأسئلة، مثل: "هل ميدياتور هو الشجرة التي تخفي الغابة"؟ والتأكيد مباشرة أن هذه القضية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. لماذا؟ يسأل المؤلفان. ويعيدان ذلك في إجابتهما أن السلسلة التي لا تنتهي المتعلقة بالآثار المؤذية للأدوية تجد ما يغذيها في الروابط المتداخلة، بين مخابر صنع العقاقير الطبية وبعض الأطباء والسلطات العامة. والتأكيد أيضاً في السياق نفسه، أن مثل هذا الواقع المتداخل، وثيق العرى، ومن الصعب تبدّله، رغم مشاريع الإصلاح التي تتكرر.
إن المؤلفين يقدمان أيضاً في كتابهما جرداً، "جزئياً" على الأقل، للآثار المؤذية للصحة والمترتبة على بعض الأدوية. وهذا ما ثبت حيال أدوية مضادة للالتهابات، ومضادة لمرض السكري وغيره. ولكن الكشف عن بعض هذه الأدوية لا ينبغي أن يخفي، كما يشير المؤلفان، واقع وجود عدد كبير من الأدوية "غير البريئة"، في الصيدليات، ليس أقلها عدداً تلك المكرّسة لمعالجة زيادة الكولسترول ومضادات الألم والمهدئات العصبية-النفسية، واللقاحات ومضادات السعال.
لكن ماذا يعني دواء ما؟
كانت الإجابة بسيطة سابقاً، على مثل هذا السؤال "البسيط"، كما يشير المؤلفان، ومفادها أن الدواء هو سلاح ضد المرض. والمضادات الحيوية أصبحت تشفي أمراضاً كانت قاتلة حتى فترة قريبة من الزمن. والاسبيرين علاج ناجع لآلام الرأس واللقاحات، تحمي من الجراثيم. ثم إن التقدم المستمر للعلوم وللصناعات الدوائية، أنتج أدوية أكثر فأكثر فعالية، مما حسّن من الصحة.
وساهم في إطالة أمل الحياة. مثل هذه الصورة المشرقة "تشوشت" و"تشوّهت"، فيما بعد، ببلد متقدّم مثل فرنسا حيث تكررت سلسلة من الفضائح الصحية، ليس أقلها الدم الملوث، قبل عدة سنوات والذي كان وراء وفاة العديد من المرضى. ثم إن بعض الأدوية مثل ميدياتور، تحوّل من مكافحة المرض إلى سمّ قاتل، ولكن يتم تداوله بواسطة وصفة طبيب وفي الصيدليات.
مؤلفا هذا الكتاب يجعلان من كتابهما نوعاً من التحقيق حول الكوارث الصحية، المترتبة على "سمية" الأدوية منذ عصر روبرت كوخ، مكتشف "عصيّة كوخ" كما أطلقوا على الجرثومة التي تسبب مرض السل، في نهاية القرن التاسع عشر وحتى الدواء الأميركي الذي يحمل تسمية فيوكس المضاد للالتهاب، الذي ذهب ضحيته الآلاف في الولايات المتحدة قبل أن تسحبه شركة تصنيعه ميريك من التداول عام 2003.
ويولي المؤلفان اهتمامهما لما يسمياه "الأدوية التي يُنتظر منها الأسوأ". ويتم في هذا الإطار سرد أسماء عدد من الأدوية المتداولة بكثرة في الولايات المتحدة الأميركية من أجل تهدئة الأطفال ذوي النشاط المفرط والتي قد يترتب عليها آثار جانبية خطيرة جداً. والأمر نفسه بالنسبة لبعض الأدوية الخاصة بمعالجة أمراض القلب والأوعية الدموية.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى اكتشاف طبيبة بلجيكية اسمها ماريان ايوالنكو، مختصة بالقلب لمجموعة من حالات إصابة الصمامات القلبية لدى الشباب الذين كانوا يتناولون أدوية لتخفيف الوزن من بينها دواء باسم "ايزوميريد- Isomeride".ما يلفت الانتباه هو أن دوائي "ميدياتور وايزوميريد" اللذين يتم وصفهما لقطع الشهية إلى الطعام تم تسويقهما من قبل نفس الشركة.
وقد ثبت أنهما تحولا في الجسد، إلى مادة ذات خواص سامة وشديدة الأذى للصمامات القلبية. ويذهب المؤلفان إلى حد القول إن بعض الأدوية النفسية المضادة للاكتئاب، قد تدفع لدى الشباب حتى إلى الانتحار. والمشكلة هي أن الفرنسيين لا يتعاطون كميات كبيرة من الأدوية فحسب.
ولكنهم يتعاطونها بصورة سيئة. بالاختصار هناك "سلسلة سوداء" من الأدوية ليس أقلها "ميدياتور" من أجل "قطع الشهية" والعديد من الأدوية المهدئة والمساعدة على النوم من طراز فاليوم وغيره والتي تثار الشكوك حول أنها تساعد على الإصابة بمرض "الزهايمر".
في النهاية تتم الإشارة إلى أن "الوعي التدريجي" لأخطار الأدوية بعد "سلسلة الفضائح" قد يساعد على التعامل بصورة أكثر سلامة مع الأدوية وتناولها بحذر أكبر بعيداً عن نزعة الاستهلاك المفرطة لكل شيء. ويؤكد المؤلفان القول: "هناك أدوية شائعة الاستخدام وهي تستحق قدراً أكبر من الاهتمام".
الكتاب: كتاب الأدوية الأسود
تأليف: كورين لالو وباتريك سولال
الناشر: بلون باريس 2011
الصفحات: 325 صفحة
القطع: المتوسط
Le livre noir des médicaments
Corinne Lalo, Patrick Solal
Plon - Paris- 2011
325 p.