يناقشالباحث اللبناني، حازم صاغية، مجموعة من النقاط المفصلية التي تميز طابع الأنظمة اليوليتارية، إذ يعنى بتحليل وتفسير كوامن وأسباب وجود دعوة خلاصية ما إلى تغيير العالم.
أو كحدٍّ أدنى إلى إجراء تغيير ضخم في حدود الدول والمحيط المجاور. ورغم الصحة المبدئية التي في هذا التوصيف يبقى أنه من غير الجائز وضع التوتاليتاريات جميعاً في سلَّة واحدة بلا أي تمييز في ما بينها، لمجرد أنَّها توتاليتاريات تملك كلها تلك المواصفات على نحو أو آخر، كما تعبِّر عن افتقار بلدانها إلى التقاليد الديمقراطية. ويصح هذا أيضاً على الأنظمة الديمقراطية أو الأنظمة الثيوقراطية التي لا يصح وضعها هي الأخرى في السلة نفسها، كما توضع رؤوس البطاطا المتشابهة.
ويؤكد صاغية في فصول كتابه، ان العلوم السياسية ليست في آخر المطاف معادلات جامدة ينتهي الأمر بها إلى أن تجهل موضوعها أكثر مما تعرف به. ذاك أنَّ عناصر تاريخية وثقافية فاعلة تفصل بين نظام وآخر ينتميان بالمعنى العريض إلى الزمرة نفسها: فمثلاً اختلفت تقليدياً ولا تزال تختلف ديمقراطيات أوروبا عن ديمقراطية الولايات المتحدة الأميركية، في مسائل أساسية، كالموقف من الدين، والحكم بالموت.
ويفرد صاغية، في إطار حديثه عن هذه القضية، مساحة خاصة لمفهوم ورؤى "البعثية"، مبيناً أنها ظلَّت أقل وأدنى من أن تنتج إيديولوجيا متجانسة، فاقتصرت على خطب حماسية وشعرية، وعموميات أخلاقية ضعيفة المعنى.
وإذا نمَّ هذا عن محدودية العلاقة بين الحداثة وبين المجتمعات التي نشأ ونما فيها البعث (سوريا والعراق)، فإنَّه، وهذه النتيجة الوحيدة التي يمكن اعتبارها إيجابية نسبياً، منع تطوير النظرة العنصرية إلى العدو في الحدود التي طورتها النازية.
فالحكم البعثي استخدم السلاح الكيماوي ضد الأكراد، واقتنى أسلحة كيماوية وبيولوجية قبل أن يجبر على تدميرها. إلا أنَّه تعامل هنا أيضاً مع الموضوع تعاملاً ريعياً، مثله في ذلك مثل السلع الأخرى التي يمكن شراؤها واقتناؤها بقوة المال النفطي. بيد أننا لا نجد في الخطاب البعثي حيال الأكراد أو الفرس أو اليهود أو الأميركيين، إلا عبارات عدائية مبعثرة، وشديدة الإنشائية والانفعال، قياساً بما حمله الخطاب النازي عن اليهود، حيث أراد أن يبرهن خرافاته عنهم بـ"موضوعية علمية".
وهناك قضية أخرى يراها حازم صاغية، جريمة، وهي تلك التي حدثت يوم 11 سبتمبر 2011 ، فقد تسبَّبت تلك الجريمة التي حلَّت في نيويورك وواشنطن، بظهور مكتبة في سائر لغات العالم، فيما احتل الأصوليون والإرهابيون الإسلاميون رقعتها الأبرز وموضوعها المركزي. فإلى الوجه البوليسي والملغَّز للحدث، هناك أبعاده التي يمكن القول من دون مبالغة، إنها أبعاد الوجود الإنساني ومستوياته. ف 11 سبتمبر الذي شاهده العالم بأسره وسقط نتيجة له ضحايا من العالم أجمع ومن الأديان والإثنيات كلها.
فهو حدث سياسي سجالي وتحليلي في وقت واحد، يطاول دواخل البلدان، كما العلاقات في ما بينها أصاغتها الدبلوماسية أم صاغتها الحرب، ذاك أنَّ 11 سبتمبر حدثٌ في علم الحرب، وحدثٌ في علم الدبلوماسية.
وهو حدث فلسفي وفقهي يتصل بمفاهيم الحداثة والفردية اتصاله بالأديان والإصلاح الديني، تماماً كما هو حدث ديموغرافي وسكاني وثيق الصلة بعمليات الإصلاح الزراعي والتمدين والتصنيع وبالنسل والإنجاب. وهو حدث ثقافي وتعليمي وإعلامي يطاول الكتب التي تدرس والمقالات التي تكتب والمثالات التي تعم، إلا إنه كذلك يتعلق بالتنمية والعلاقة بين الغني والفقير.
غير أنَّ المؤلف يعتبر أنَّ سيِّد قطب، ومن ورائه مولانا أبو الأعلى المودودي، مُلهم 11 سبتمبر، تبعاً لتأثيره الضخم على الجماعات الإسلامية والراديكالية اللاحقة. وكذلك، وفي الموازاة، شنَّ السوفيات حملتهم الضارية على الإسلام وممارسته، فهو ما اعتبره البلاشفة أكثر تخلفاً من الأديان المتخلفة كلها، كما اعتبر عنصر تهديد لسيطرتهم، وعموماً أغلقت المساجد ومنعت الاحتفالات ونزع الحجاب.
وبعد أن عرفت الإمبراطورية الروسية عام 1917 حوالي 20 ألف جامع لم يبق منها في 1935، سوى 84 جامعاً مسجلة رسمياً. وفقط مع الغزو الألماني في 1941 تحسَّنت العلاقة قليلاً تبعاً لحاجة ستالين إلى دعم سائر الشعوب والجنسيات، لكن في 1944 نفى ستالين نصف مليون شيشاني إلى آسيا الوسطى وسيبيريا مات ثلثهم وتسبب الثلثان في تعقيد المشاكل الإثنية والقومية حيث حلوُّا.
وعاد القمع إلى سيرته الأولى وإن استرخى قليلاً مع خروتشوف كما في مناسبات عابرة ودعائية عن المسلمين السوفيات كان هدفها التقرب من العالم الإسلامي. واعتمدت موسكو إسلاماً رسمياً مضبوطاً لم يؤثِّر في السكان الذين اتجهوا إلى ممارسة إسلامهم وتقاليدهم القديمة بمواظبة وسرية مدهشتين.
الكتاب: قضايا قاتلة
تأليف: حازم صاغية
الناشر: دار الجديد
بيروت 2012
الصفحات: 287 صفحة
القطع: المتوسط