ساد قبل سنوات، خطاب سياسي تركّز على القول ان النموذج الموديل- الاقتصادي، الأكثر مناسبة، بل والمثالي بالنسبة لفرنسا، هو التخلي عن الصناعات للدول الصاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل. والتركيز بشكل خاص على قطاع الخدمات والتكنولوجيات الجديدة.
والنتيجة المباشرة لذلك كانت فقدان البلاد لمصانعها وخسارتها نسبة مهمة من اليد العالمة فيها. وهذه الظاهرة بالتحديد هي التي يعالجها الأستاذ الجامعي باتريك ارتو، والصحافية الاقتصادية ماري بول فيرارد، في كتابهما الذي يحمل عنوان: "فرنسا دون مصانعها".
يحدد المؤلفان منذ البداية القول ان نتائج مثل تلك السياسة الداعية الى تهميش التصنيع في اهتماماتها الاقتصادية الوطنية والتركيز على قطاعي الخدمات والتكنولوجيات الجديدة، إنما هو خيار يؤدي إلى الكارثة. والسياسة الداعية لذلك تنتمي إلى "عالم الأوهام" أكثر مما تنتمي إلى عالم الواقع والاقتصاد. ذلك أنها أدت إلى "هجرة" العديد من الشركات، وإلى انخفاض كبير في مستوى العمل بينما تشكل البطالة أحد تحديات المجتمع الأساسية، وإلى عجز كبير على صعيد ميزات التجارة الخارجية وارتفاع استثنائي على صعيد الاستدانة من الخارج.
ضمن مثل هذا السياق يبدو أن مسألة تهميش التصنيع، بل والتخلي عن العديد من قطاعاته" ستكون أحد المواضيع الأساسية في الحملة الرئاسية القادمة بعد أشهر قليلة، كما يشرح المؤلفان. هذا مع الإشارة أن الرأي العام الفرنسي لا يعرف بشكل دقيق مدى اتساع الظاهرة، وما هي نتائجها القريبة والبعيدة، ويجهل إلى حد كبير أسبابها العميقة.
فصول الكتاب الستة تدلّ على منحى التحليلات التي يقدمها المؤلفان. الفصل الأول يحمل عنوان: "تهميش التصنيع على الطريقة الفرنسية". ويعنى الثاني بـ"الصناعة على أساس أنه قد مضى زمنها وأنها خطيرة". عنوان الفصل الثالث هو: كلّنا غاضبون من تهميش التصنيع. ثم فصل تحت عنوان: "الخروج السعيد من العولمة والوهم الجديد". وأتى في عنوان الفصل الخامس: فكرة وجود فرنسا بلا مصانع وبلا عاملين هي فكرة مجنونة". واختار المؤلفان للفصل السادس والأخير عنوانا في تساؤل مفاده:" هل فرنسا ستكون فلوريدا أوروبا"؟
تقول التحليلات المقدمة ان فرنسا خسرت الكثير من إمكاناتها ومؤسساتها الصناعية، خلال السنوات الأخيرة. هكذا لم تعد الصناعة تمثل سوى نسبة 12 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الفرنسي، بينما تصل النسبة إلى 21 بالمئة بالنسبة لألمانيا و30 بالمئة بالنسبة لبلد مثل فنلندا.
هذه الإحصاءات المقارنة عن نسبة مساهمة التصنيع في الاقتصادات الوطنية الأوروبية، تجد ما يماثلها أيضا على صعيد التجارة الخارجية، وخلق فرص العمل. وتتم الإشارة مثلاً الى ان حصة السوق الفرنسية من التجارة الخارجية، انخفضت من نسبة 6 بالمئة عند تبنّي اليورو كعملة أوروبية موحّدة، إلى 3 بالمئة في الوقت الراهن. ونسبة فرص العمل في القطاع الصناعي لا تمثل سوى 11 بالمئة في فرنسا، في مقابل 20 بالمئة في ألمانيا.
ومسألة أخرى تتم الإشارة إليها كثيرا، وهي أن فرص العمل التي يوفرها القطاع الصناعي تمنح القائمين فيها رواتب متوسطة. ولكن هذه القاعدة ليست السائدة في فرنسا، حيث ان الأجور والرواتب هي، "إما مرتفعة جدا بالنسبة للعاملين في المجموعات الصناعية الكبرى، مثل تلك التي تعمل في قطاعات المال، أو في قطاع صناعات الأدوية وسلع الرفاهية، وأما أنها متدنية جدا بالنسبة للعاملين ممن لا يملكون أية مؤهلات كبيرة. ومثل هذا التمايز الكبير الدخل بين أصحاب الرواتب العالية وأصحاب الأجور المنخفضة، تترتب عليه مباشرة صعوبات في تمويل نفقات "الشيخوخة" والأعباء الاجتماعية.
ما يؤكده المؤلفان أن الفرق الأساسي بين فرنسا وألمانيا لا يكمن على مستوى تكاليف الإنتاج المتقاربة جدا في الميدان الصناعي، ولكن بالأحرى في "مراتب نوعية المنتجات". كما ان فرنسا تنتج في الواقع "أنواعا متوسطة النوعية"، مما يضعها في منافسة مباشرة مع البلدان الصاعدة، مثل الصين وغيرها.
وأما ألمانيا فتنتج أنواعا من الرتبة الأولى هي الأفضل في السوق، بحيث ان البلدان الصاعدة لا تستطيع مواكبتها في ذلك، وبالتالي لا تدخل معها في منافسة. ونتيجة لهذا التمايز تستطيع ألمانيا أن تفرض الأسعار التي تريدها بينما تجد فرنسا نفسها مرغمة على "المساومة".
الأمثلة التي يتم سوقها على مثل هذا الواقع كثيرة، وليس أقلها دلالة أن صناعة السيارات كانت تتم في فرنسا، خلال سنوات التسعينات المنصرمة. وأما اليوم فإنه يتم تصنيع القسم الأكبر من السيارات الفرنسية في الخارج لأنها "ذات نوعية متوسطة"، ولم يعد هناك أي مبرر لتصنيعها في فرنسا. والأمر ليس كذلك بالنسبة لسيارات "بورش" على سبيل المثال.
المخرج الوحيد الذي يحدده المؤلفان للاقتصاد الفرنسي، يتمثل في "العودة للتصنيع". والتركيز على تطوير عدد من الصناعات الجديدة، مثل الصناعات "البيوتكنولوجية"، وصناعات الطاقة الجديدة، وصناعة المواد العازلة للمساكن.
إن المؤلفين يفككان في هذا الكتاب، الكثير من الأفكار الجاهزة ومن أخطاء السياسة الاقتصادية الفرنسية والخيارات غير المدروسة. كذلك يشكل الكتاب مرافعة من أجل العودة إلى تشجيع التصنيع عبر القيام بعملية إصلاح بنيوية. فهنا "يكمن السبيل لإيجاد فرص عمل جديدة ولتأمين مستقبل أطفالنا". كما نقرأ في إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب.
الكتاب: فرنسا دون مصانعها
تأليف: باتريك آرتو ماري بول فيرارد
الناشر: فايا باريس 2011
الصفحات: 184 صفحة
القطع: المتوسط
La France sans usines
Patrick Artus, Marie- Paul Virard
Fayard - Paris- 2011
184 p.