كيف تأسست قوة الولايات المتحدة الأميركية؟ وكيف استطاعت المستعمرات الانجليزية السابقة في أميركا، أن تتفوق على أوروبا، اقتصاديا وعسكريا وثقافيا، في فترة لا تتجاوز قرناً ونصف القرن من الزمن؟ وكيف يمكن تفسير الدينامية التوسعية التي دفعت هذه البلاد الـ»هامشية» إلى قلب المنظومة الدولية؟ وهل أن الولايات المتحدة الأميركية هي اليوم بصدد التقهقر والانحطاط؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تشكل موضوع كتاب أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية بالعاصمة الفرنسية، باريس، فيليب س. غولوب: «السلطة والربح والمكانة المرموقة». ويشرح المؤلف فيه، ما يسميه «تاريخ التوسع الاستعماري الأميركي».

يعود المؤلف إلى دراسة المسار التطوري للولايات المتحدة، بعيدا عن الروايات المتحدة، بعيدا عن الرواية الرسمية الليبرالية للحداثة الأميركية. ويؤكد بالمقابل أن بناء «الدولة» الحديثة منذ فترة الآباء المؤسسين وحتى اليوم، ترافق مع الاستخدام لقدر مهم من العنف الذي اتسمت به مراحل صعود الأمة الأميركية، هذه الأمة التي انبثقت، كما يشرح المؤلف، من رحم امبراطورية، هي الإمبراطورية البريطانية، كي تصبح بدورها إمبراطورية جديدة انطلاقا من ممارسة العبودية والتوسع الحدودي في القرن التاسع عشر وحتى سيادة نظام «العولمة» منذ نهايات القرن العشرين. وبهذا المعنى يقدّم المؤلف «تاريخا آخر للقوة الأميركية».

ويؤكد المؤلف أنه في هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، وبعد وصول الصين إلى الصف الأول بين القوى العالمية، وبعد انطلاق الأزمة المالية العالمية في خريف عام 2008 ظهر بوضوح أن حقبة كاملة قد تغيّرت. ولا يتردد في التأكيد أيضاً أن «الهيمنة الأميركية أصبحت تنتمي، من الآن فصاعدا، إلى الماضي. وغدا النظر إليها بعين نقدية أمرا ضروريا إذا كان يراد التفاؤل حيال المستقبل».

وعبر القيام بنوع من «الجرد» لمحصلة ما عُرف بـ«قرن السلام الأميركي»، أي القرن العشرين، يقوم فيليب ش. غولوب بتوجيه «إدانة» صريحة للطريقة التي «أدارت» فيها الولايات المتحدة العالم. وفي جميع الحالات اتسم القرن الماضي باتساع رقعة النزعة التجارية لتشمل جزءاً كبيراً من العالم، وسادت فيه النزعة الليبرالية على أساس أن الولايات المتحدة تشكّل قطبا وحيدا، كما فرضت «الثقافة الأميركية» نفسها باعتبارها ثقافة عالمية على خلفية السعي إلى «أمركة» الثقافات الأخرى.

لكن مختلف تلك المظاهر التي تدل على أن صعود نجم الولايات المتحدة عالميا أعقبته سلسلة من «الحروب العبثية» والمدمرة كثيرا في أغلب الأحيان. يتم في هذا السياق تحديد القول إنه خلال الفترة الممتدة من المراحل الأولى للنزعة التوسعية الأميركية وحتى ما بعد مرحلة الحرب الباردة، جعلت الولايات المتحدة من «الميل إلى التوسع» طبيعة ثانية لها، وذلك على خلفية تبنّي النموذج الموديل- الاستعماري الإنجليزي.

إن المؤلف يشرح بإسهاب أيضا الدور الذي لعبته الحروب في دعم الصناعة الأميركية، وخاصة صناعات الأسلحة المكرّسة للتصدير إلى مختلف أسواق العالم. وعبر تبنّي هذا السبيل التوسعي تجاريا وصناعيا استطاعت الولايات المتحدة أن تحتل المرتبة العالمية الأولى بين القوى الكبرى.

واستطاعت خاصة إزاحة أوروبا «القارة القديمة» عن موقع صدارة العالم الرأسمالي لتحتل هي نفسها هذا الموقع. كانت النتيجة هي أن الولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الأولى في العالم وسادت القرن العشرين وصاغت العلاقات الدولية على ضوء مصالحها باعتبارها «القوة الإمبريالية» السائدة.

تتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي يكررها المؤلف في تحليلاته بالقول إن النتائج التي ترتبت على الغزو الأميركي للعراق عام 2003 أثارت أزمة أكثر عمقا بالنسبة للولايات المتحدة من تلك التي ترتبت على الهزيمة في فيتنام منذ ثلاثين سنة. ولا يتردد «غولوب» في أن يسوق حججا على تحليلاته مأخوذة من «حنّة ارنت»، اليسارية المعروفة.

وتأكيدها أن الولايات المتحدة «بحثت دائما عن إثبات إرادتها وقدرتها على أن تكون لها كلمتها في قضايا العالم، وهي تتصرف باعتبارها القوة الأولى في العالم ليس لسبب آخر غير إثبات «ذلك الواقع». مثل هذا البحث عن «المكانة المرموقة» يشكل كما يرى المؤلف «غاية» بحد ذاته لدى مختلف الإدارات الأميركية منذ أكثر من قرن من الزمن. هذا مع التأكيد على إرادة استخدام هذه «المكانة المرموقة» في أشياء أخرى.

 

 

 

 

الكتاب: السلطة والربح والمكانة المرموقة

تأليف: فيليب س. غولوب

الناشر: بلوتو برس

نيويورك 2010

الصفحات: 550 صفحة

القطع: المتوسط

Power, profit and prestige

Philip S. Golub

Pluto Press- New York- 2011

550 p.