أنشأ الكاردينال روشيلو، أحد أهم رجال السياسة الفرنسيين في تاريخها كله، الأكاديمية الفرنسية، في العام 1635. وكان يريد بذلك، كما تكرر القول عنه، تعزيز اللحمة الوطنية حول اللغة الفرنسية.

هذه الأكاديمية وتاريخها ودورها على الصعيد الوطني الفرنسي هي موضوع الكتاب الذي قدمته قبل أسابيع أمينتها مدى الحياة، والمؤرخة الفرنسية المعروفة التي تنبأت منذ عام 1978 بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، هيلين كارير دانكوس. يحمل الكتاب عنوان: "قرون من الخلود، الأكاديمية الفرنسية، 1635-...".

يبلغ عدد أعضاء الأكاديمية الفرنسية منذ تأسيسها 40 عضواً تُطلق عليهم تسمية «الخالدين». هؤلاء الخالدون يجتمعون تحت تسمية الأكاديمية، وهم يتمتعون منذ البداية أيضا بسمتين أساسيتين هما الاستقلالية والمساواة. هاتان السمتان لا تزالان تلازمان الأكاديمية الفرنسية منذ ما يقارب الأربعة قرون من الزمن.

إن المؤلفة-المؤرخة تدرس تاريخ ودور الأكاديمية الفرنسية على مدى 11 فصلا يتألف منها الكتاب ابتداء من الحديث عن أكاديمية روشيليو وحتى الأكاديمية في القرن الحادي والعشرين، اذ يتم طرح السؤال التالي: ما الدور الذي يمكن للأكاديمية الفرنسية أن تلعبه في القرن الحادي والعشرين في الوقت الذي تصبح فيه الثقافة ذات سمة عالمية معلومة بينما، وفي الوقت نفسه، تتفكك المجتمعات باسم مطالب متعددة ومتنوعة؟

فصول الكتاب الأخرى تبحث في الأكاديمية خلال العصر الملكي. ثم "تحدّي عصر التنوير" و"هيمنة الفلاسفة" و"موت الأكاديمية" و"برلمان العلماء" و"أكاديمية فيشي". ثم "هل هناك موت آخر للأكاديمية"؟

وتقول المؤلفة في شرحها للسياق الذي نشأت فيه الأكاديمية الفرنسية، انه كانت قد شهدت نهاية الحروب الدينية والحرب الأهلية. وبدأت فيها فترة من السلم والاستقرار الاجتماعيين. وظهرت بقوة الحاجة إلى عوامل يمكن لها أن تسهم في تدعيم الوحدة الوطنية وتؤكد سلطة الدولة المركزية وتنهي التمزقات في المجتمع. فبرزت لدى الكاردينال نفسه "على رأس" تلك المجموعة من المثقفين الذين منحهم مكانة قانونية وأسس بذلك ما تسميه المؤلفة "أكاديمية".

وبناء على الرغبة العميقة لدى روشيليو، وتماشياً مع الإرادة الملكية آنذاك، جرى تشجيع اللغة الفرنسية كي تعمّ وتنتشر في مواجهة اللغة اللاتينية، الشائعة ولكن التي كان يتم النظر إليها كلغة ميتة. بهذا المعنى كانت اللغة الفرنسية نوعاً من متابعة السياسة بوسائل أخرى. وتحدد المؤلفة القول إن الأكاديمية الفرنسية ليست بمثابة حلفة أدبية.

بل إن روشيليو نفسه رأى في اللغة الفرنسية أن عليها أن تعبّر عن ممثلين لمختلف مشارب المعرفة، بما في ذلك رجال الكنيسة والدبلوماسيون العسكريون. وكان من أعضائها الأربعين، عدد من هؤلاء جميعاً. أما عدد الكتاب والمفكرين فقد تزايد تدريجياً. لكن في جميع الحالات كانت القضية الأساسية في الأكاديمية الفرنسية هي مناقشة مسائل لها علاقة باللغة، ولكن وظيفتها السياسية والاجتماعية كانت تتجاوز ذلك بكثير.

تشرح هيلين كارير دانكوس أن مسألة علاقة الأكاديمية الفرنسية بالسلطة السياسية لم تثر أية أزمات منذ تأسيسها وحتى منتصف القرن الثامن عشر، المعروف بقرن التنوير. قبل هذا التاريخ اعتبرت الأكاديمية نفسها كجسد متكامل مع النظام الملكي، وأنها تمثل صدّى للطموحات الملكية. هذا على الرغم من مبدأ الاستقلال الذي أعلنه روشيليو منذ البداية.

لكن التطورات التي عرفها المجتمع الفرنسي والانقسام بين الرأي العام والمجتمع والحكومة دفع الأكاديميين لإدراك أن مؤسستهم لم يعد باستطاعتها متابعة دورها كناطق باسم السلطة الملكية. كانت أفكار عصر التنوير قد دخلت إلى الأكاديمية الفرنسية نفسها، كما تشير هيلين كارير دانكوس.

آثار عصر التنوير على الأكاديمية الفرنسية ظهرت من خلال دخول بعض رموز الأفكار الجديدة إليها كي يصبحوا في عداد الخالدين. هكذا دخلها مونتسكيو عام 1727 ثم دخلها فولتير عام 1746 ودالامبير عام 1754. هؤلاء هم فلاسفة الثورة الفرنسية الكبرى. هذه الثورة "أزالت الأكاديمية" عام 1793. ثم عادت قبل أن يهددها الزوال من جديد في عهد حكومة فيشي التي تعاونت مع الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية.

تحددت المهمة الأولى للأكاديمية الفرنسية منذ تأسيسها، بالسهر على الاستخدام الجيد للغة الفرنسية وصيانتها وتجديدها. تقول المؤلفة إن هذا لا يعني الدفاع عنها، لكن بالأحرى مرافقتها. وتؤكد في هذا السياق أن اللغة ستتطور بالضرورة عبر مواكبة التقدم العلمي وما رافق ذلك من قاموس متطوّر.

 

 

الكتاب: قـرون من الخلود، الأكـــاديميــــــــة الفرنسية 1635-...

تأليف: هيلين كارير دانكيس

الناشر: فايار- باريس- 2011

الصفحات: 350 صفحة

القطع: المتوسط

Des siècles dصimmortalité, lصAcadémie Française 1635-ة

Hélène Carrere DصEncausse

Fayard - Paris- 2011

350.p