شاهد عشرات الملايين من الفرنسيين البرنامج التلفزيوني الشهير رقعة الشطرنج الكبيرة، الذي أعدّه الصحافي والكاتب جاك شانسيل الذي يقدّم للقراء اليوم كتاباً تحت عنوان قاموس عاشق للتلفزيون. وهذا كأحد كتب سلسلة تصدرها دار نشر بلون الفرنسية تحت عنوان: "قاموس عاشق لـ...".

ومثلما هو الحال في الأعمال القاموسية يحتوي هذا الكتاب على سلسلة من المداخل تبعاً لتسلسل الحروف في اللغة الفرنسية. المادة الرئيسية لهذا العمل هي مجموعة من الذكريات التي عاشها المؤلف خلال عمله التلفزيوني الذي استمر عقوداً طويلة. إنه يتحدث فيه عن جو العمل التلفزيوني وعن أولئك الذين ساعدوه أو عمل معهم أو عملوا معه. بهذا المعنى يقول إن هذا الكتاب ليس مجرد "قاموس عاشق للتلفزيون، ولكن أيضاً "قاموس عاشق للآخرين".

ويشير المؤلف إلى أن العمل التلفزيوني لا يخضع للمتطلبات المعتادة للحصول على مناصب تقع في دائرة العمل العام، بل يتطلّب قبل كل شيء الموهبة. من المعروف أن الغالبية العظمى من القادة السياسيين الفرنسيين هم من خريجي المدرسة العليا للإدارة بينما ليس بين نجوم التلفزيون الفرنسيين البارزين اليوم أي خريج من هذه المدرسة. العمل التلفزيوني هو بمنجاة عن طبقة حملة الشهادات العليا، كما يشير جاك شانسيل.

الوجه الآخر لمثل هذه الظاهرة يجده المؤلف في التأكيد أن الشريحة الثرية العليا في أحياء باريس "الراقية" وسليلي الأرستقراطية الفرنسية العريقة ينظرون جميعاً بنوع من الازدراء إلى العاملين في التلفزيون. ذلك على أساس أنه ينقصّهم البعد الثقافي الأصل. بل تتم الإشارة أن الصحافة المكتوبة نفسها لا تبدي الكثير من التعاطف حيال الإعلام المرئي، وعلى رأسه التلفزيوني.

وفي المدخل المكرّس للثقافة، يعلن جاك شانسيل عن أسفه الصريح والعميق كون أنها، أي الثقافة، لا تلقى الكثير من الاهتمام على الشاشة الصغيرة. هكذا قد لا يتم أحياناً سوى تكريس عدة دقائق للإشارة، مثلاً، إلى الكتب الأكثر مبيعاً. ويطوّر المؤلف في هذا السياق فكرة مفادها أن الموهبة تذهب دائماً حيث تجد من يكافئها. وعندما لم يكن هناك بعد من يشتري الشعر، توجه اهتمام الشعراء نحو شيء آخر. والمبدعون أصبحوا اليوم يعيشون تناقضاً مع مبادئهم أقل مما هو مع مصالحهم. ثم إن المثقفين الإعلاميين غالباً هم نتاج للإبداع.

وينقل المؤلف عن النجم السينمائي الكوميدي الشهير قوله انه لا يمكن قول الحقيقة في التلفزيون حيث هناك أكثر مما ينبغي من المشاهدين. لكن هذا لا يمنع واقع أن الكلمة الأخيرة تبقى للصورة. ذلك أنها لا تستطيع أن تدحض جميع الأكاذيب وليس هناك أية جملة تستطيع أن تنفي الحقائق التي تبديها الصورة.

المهم في جميع الحالات، كما يرى المؤلف، هو التمكّن من المزج بين الذكاء والتلفزيون. ذلك بعيداً عن أجواء تصفية الحسابات. لكن قول كل ما يراد بذكاء. هذا ما يقول انه مارسه باستمرار في القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية عندما كان أحد أعمدتها وحيث يصف كُثر سنوات عمله فيها أنها كانت الفترة الذهبية في حياة التلفزيون الفرنسي. القاعدة الذهبية للعمل في التلفزيون يحددها جاك شانسيل بالقول:

"ينبغي عدم الاكتفاء بتقديم ما يحبه الجمهور، ولكن ينبغي دفعه لاكتشاف ما يمكن أن يحبه". ويؤكد جاك شانسيل بأشكال مختلفة عبر مداخل هذا الكتاب، أن الشاشة الصغيرة كانت بمثابة بوابة على العالم أكثر مما غاية بحد ذاتها. يكتب: لقد اكتشفت التلفزيون متأخراً عندما كان عمري حوالي 35 سنة بعد أن كنت مراسلاً حربياً في الهند الصينية وأمضيت ثماني سنوات في جنوب شرق آسيا. أما اليوم، فإنه يتم توظيف الشباب في العمل التلفزيوني وهم في سن 18-20 سنة. ويصنعون منهم نجوماً خلال 15 يوماً، ثم يلقونهم كمحرمة من الورق- كلينكس. وهذا أمر مأساوي حقاً.

وإذا كان المؤلف لا يبخل بالمديح لبعض الذين عمل معهم في التلفزيون، فإنه لا يتردد في توجيه النقد الشديد لعدد من نجوم التلفزيون الفرنسي اليوم مثل اريك زيمور الذي يصفه باستراتيجي معارك الأقزام. ويصف برامج المنوعات الخفيفة من نوع ستار اكاديمي أنها بمثابة "موكب كرنفال- من الحماقات".

ومن المعروف أن جاك شانسيل كان صديقاً مقرّباً من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي منذ سنوات طويلة. وبعد أن يتصوّره ذات يوم رئيساً لتلفزيون فرنسا يقول: "لقد عرفته منذ فترة طويلة قبل أن يصبح رئيساً. أنا لست ممالقاً له إذن. إنه يحدثني عن التلفزيون مثلما يفعل المحترفون، فهو يعرفه جيداً. لكننا لا نحب غالباً البرامج ذاتها. إنه معجب مثلاً بـ"ستار اكاديمي" على أساس أن مثل هذه البرامج تسمح للشباب بإبراز مواهبهم وتأكيد ذاتهم. أما أنا فيثير هذا البرنامج سأمي".

وحديث عن التلفزيون وعالمه ونجومه المشاهير، والأقل شهرة، وعبر هذا كله عن حقبة من التاريخ الثقافي الفرنسي.

 

الكتاب: قاموس عاشق للتلفزيون

تأليف: جاك شانسيل

الناشر: بلون- باريس- 2011

الصفحات: 710 صفحات

القطع : المتوسط

 

Dictionnaire amoureux de la télévision

Jacques Chancel

Plon - Paris- 2011

710 .p