إذا كان الأميركيون من أصل إفريقي، أي السود، يشكّلون أحد المكونات الأساسية في المجتمع الأميركي، فإن لهم حضوراً كبيراً ومهماً في المجتمع الفرنسي خلال ثلاثة قرون منذ القرن الثامن عشر، حتى اليوم. هذا ما يشرحه كتاب جماعي يحمل عنوان: "فرنسا السوداء، ثلاثة قرون من الحضور"، الذي يشرف عليه المؤرخ الفرنسي باسكال بلانشار، وهو المساهم الرئيسي، في تأليفه في الوقت نفسه.
تعالج فصول الكتاب الثمانية "الحضور الأسود" في فرنسا، منذ أن كان يتم النظر للسود كـمتوحشين، وحتى اعتبارهم كمواطنين فرنسيين سود. وكأحد تعبيرات الثقافات المتنوعة التي امتزجت في المجتمع الفرنسي. وتتعرض الفصول الأخرى للسود كجنود في الجيش الفرنسي، خاضوا الكثير من المعارك الاستعمارية، وكذلك للسود كعبيد، ولهم كممثلين للحضور الإفريقي.
ولهم كمهاجرين في إطار موجة جديدة قادمة من إفريقيا ومن منطقة جزر الانتيل. ما تؤكده مساهمات هذا الكتاب هو أن أشكال الحضور "الأسود" أسهمت في بناء التاريخ السياسي والثقافي والعسكري والفني والاقتصادي لفرنسا خلال النظام القديم ثم في العهد الجمهوري. وهذا ما تتم البرهنة عليه من خلال ما يزيد على سبعمائة وثيقة، الجزء الأكبر منها يتم نشره للمرة الأولى، وهي مأخوذة من أعماق "الأرشيفات"، كما تتم الإشارة في مقدمة الكتاب.
تتمثل إحدى الأفكار التي يتم التأكيد عليها في القول إن تاريخ الوجود الأسود في فرنسا ليس معروفاً بشكل جيد، بل هو يخضع لجملة من الأحكام المسبقة. ولأشكال من سوء الفهم. هذا مع التأكيد أن بدايات الوجود الأسود فوق الأرض الفرنسية يعود إلى أولئك الذين قدموا إلى البلاد من القارة الإفريقية ومن منطقة الكاريبي منذ القرن السابع عشر. وتجدر الإشارة الى أنه يتم تقديم تاريخ حصري للسود فوق الأرض الفرنسية (الأوروبية) وليس التأريخ لإفريقيا أو لما يسمى المقاطعات الفرنسية ما وراء البحار، أي مجموعة جزر الانتيل وغيرها من المناطق الفرنسية في المحيطات.
ما تؤكده مساهمات الكتاب أيضاً هو أن تاريخ السود في فرنسا لم يكن مجرد تاريخ من الآلام. لقد كانت هناك لحظات صعبة تمّ نسيانها في أغلب الأحيان. لكن كانت هناك أيضا لحظات من العظمة، كما تقول التحليلات المقدمة. والإشارة إلى أنه يُنسى غالباً واقع أن فرنسا كانت هي "أمة السود الثانية"، كما كان يردد الأفارقة-الأميركيون. ولكن في لحظات أخرى هناك معارك شارك فيها السود دفاعاً عن الوطن، أي فرنسا، ولكن جرى نسيانهم بعد الانتصار.
ومن الأفكار التي تتردد في مساهمات هذا الكتاب القول إن العاصمة الفرنسية باريس كانت خلال فترة طويلة "مدينة النور" بامتياز من خلال ملتقى الثقافات والأدب والفكر الأسود. ثم إن مفهوم "السواد" أو "الزنوجة" لم يولد في داكار أو غيرها من العواصم الإفريقية، ولكن في باريس، حيث أسهم فيه بشكل رئيسي كل من ليوبولد سنغور، أول رئيس للسنغال بعد استقلالها وايمي سيزير، الشاعر الأسود.
ومما يلاحظه المؤلف باسكال بلانشار هو أن نسيان، الحديث عن مكوّنها الأسود، يعود جزئيا إلى الاتهام بالمذهنية الطائفية، حيال من يتحدث عن "فرنسا السوداء". ثم يشير إلى أنه من الطبيعي ألا يتطوّر الحديث عن مثل هذا الموضوع بسرعة كبيرة نظراً لعدم وجود مشرب تاريخي خاص به، وليست هناك دراسات شاعت كثيراً حوله على المستوى الشعبي.
هذا التهميش تتم إعادته لإرادة سياسية أحياناً، ولكن أيضا ليس هناك رغبة للحديث عن هذا الموضوع باعتباره ليس مجالا للبحث مثل المجالات الأخرى. والملاحظ هو أن الكتب الخاصة بالسود في فرنسا إنما قام بأغلبيتها الساحقة باحثون "سود" و"من أجل السود". بهذا المعنى لا يمكن مناقشة موضوع يتعلق بإفريقيا أو بالسود بطريقة عقلانية.
إن المساهمين في هذا الكتاب يقدمون العديد من المفاتيح التي تساعد ما يسمونه فرنسا السوداء. ويتم التركيز خاصة على علاقة فرنسا مع ماضيها من خلال ثلاث مسائل رئيسية تخص الهجرة والاستعمار والعبودية. هذه المسائل الثلاث تتعرض عامة للتهميش. ذلك على أساس أنها تمسّ البناء الوطني الفرنسي، بل ويرى البعض أنها تمسّ الهوية الوطنية الفرنسية ذاتها.
بكل الحالات يتم التأكيد أن الطبقة السياسية الفرنسية حاولت بشكل عام استخدام خطاب حول السود تبعاً لمصالحها هي. هكذا بدوا أحيانا في الخطاب المعنيين كمتوحشين أو كمواطنين أصليين أثناء الحروب. بتعبير آخر جرى استخدامهم، كما يقتضي الظرف السياسي، وإعطاؤهم المكانة، التي يحددها الأبيض العظيم لهذا الآخر، الأسود، في المجتمع الفرنسي.
لكن بالمقابل تتم الإشارة إلى أنه من المفارقة أن تكون فرنسا هي التي أعطت، كأول بلد غربي، جائزة كبيرة مثل الغونكور لكاتب أسود من جزيرة غويانا هو رونيه ماران عام 1921. وكانت فرنسا هي البلد الأول الذي شارك فيه لاعب أسود، هو، راوول ديانيو، في فريق لكرة القدم عام 1931. وفرنسا هي أول بلد وصل فيها أسود هو بليز ديانيو للبرلمان عام 1914.
أن يكون المرء "أسود" في فرنسا، ومهما تكن البلاد التي جاء منها، فهذا يعني أنه يشكل جزءًا من ذاكرة وأساطير ومعارك وأحلام وإخفاقات ومن الهوية الوطنية لفرنسا اليوم. هذا هو مضمون جملة أخيرة من هذا الكتاب.
الكتاب: فرنســا الســوداء..ثلاثــة قرون من الحضور
تأليف: باسكال بلانشار وآخرون
الناشر: لاديكوفيرت- باريس- 2011
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
La France noire
Pascal Blanchard et
La Découverte - Paris- 2011
360 .p