يستهل مؤلف الكتاب، محمد منصور، موضوعات كتابه، بشرح سيرة حياة ومحطات ابداع انطوني كوين، عاكسا قيمة اعماله في كل من: زوربا اليوناني وأحدب نوتردام الفرنسي.

وأيضا زامبانو الإيطالي، ومروراً بشخصيات عربية عديدة، مثل عودة أبو تايه في فيلم "لورانس العرب" وحمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم في فيلم "الرسالة"، وصولاً إلى أدائه الساحر لشخصية الثائر عمر المختار في فيلم "أسد الصحراء"، الذي أخرجه المخرج السوري الراحل مصطفى العقاد. وكذلك ليس انتهاء بشخصيات أخرى من روائع الأدب والحياة والتاريخ وسير الشخصيات الواقعية.

ويفرد منصور، صفحات عدة في الكتاب، يبين فيها أنه ولد أنطوني كوين في 21 أبريل من العام 1915، في (تشيواواه) في المكسيك، حين كانت نيران الثورة المكسيكية مشتعلة، والفقر والدمار يعمان أنحاء البلاد. وقد انطبعت هذه الأجواء الصعبة التي ارتبطت بتاريخ وظروف ميلاده، بسيرة نشأته الأولى، وبمسار طفولته ويفاعته.

وعاش بعدها أنطوني حياة تشرد. وفي عام 1919 قرر الأب التوجه بالعائلة إلى كاليفورنيا، حيث وجد أنطوني كوين نفسه وهو في سن الخامسة، يعمل في حقول الفراولة والخس. وبعد سنة واحدة انتقلت العائلة إلى حي معدم في مدينة لوس أنجلوس على بعد أميال من هوليود، وكان على الفتى الذي لم يتم السادسة من العمر أن يعمل في مسح الأحذية وبيع الجرائد.

ويشرح منصور، كيف تنقل كوين في عدة مهن، وقد اضطر للكذب والادعاء بأنه أكبر سناً لكي يحصل على وظيفة أكثر من مرة، من تنظيف المراحيض وصقل النوافذ إلى مسح الأرض. ولكن تماسه الأوَّل مع السينما ونجوم هوليوود تجسَّد في حادثتين منفصلتين ربما لعبت الأقدار دوراً في بقائهما في ذاكرة نجم هوليوود اللامع فيما بعد. الأولى:

حين كانت جدته تأخذه في فترات غياب الوالد وهو في سن الثالثة من العمر إلى السينما لمشاهدة أفلام الممثلين أنطونيو مورينو ورامون نوفارو المفضلين لديها. والثانية: حين وجد والده عملاً كمصوِّر في استوديوهات سيلزنيك القديمة، حينها كانت مواهب أنطوني كوين التشكيلية بدأت تتفتَّح بقوَّة، ولهذا حاول أن يحترف الرسم علَّه يؤمِّن مصدر دخل إضافياً للأسرة.

فكان يتجوَّل في الاستوديوهات، ويسعى للحصول على صور فوتوغرافية لكبار نجوم هوليوود. ويسرد المؤلف بتتابع، مختلف محطات ارتقاء كوين، مبيناً لنا انه في عام 1936 كان يسجل أوَّل حضور له في السينما، حين ظهر في دور ثانوي كسجين في فيلم"كلمة شرف".

وبعدها بدأت معاناته ووجِّهت إليه اتهامات بالانتماء إلى الشيوعية. إلا أنَّه ثابر في طريقه السينمائي وتقلب أدواراً متفاوتة في أربعينات القرن العشرين. ومن ثم في عام 1947 فاز بدور بطولة في "الذهب الأسود"، أمام زوجته كاترين دي ميل، حيث جسَّد شخصية هندي أميركي يكتشف بئراً للنفط ويصبح مليونيراً.

إلا أنَّ فرصته الأبرز جاءت عام 1952 حين أدى دوراً صغيراً في فيلم "فيفا زاباتا" للمخرج إيليا كازان، من بطولة مارلون براندو. غير أنّ نجاحه الحقيقي بدأ عندما تحمَّس لتقديم فيلم عن رواية"زوربا" وقام بإنتاجه بنفسه عام 1964.

وهكذا يسجل المؤلف جميع فترات ومحطات نجاح كوين بعد هذه الفترة، مجسداً شخصيات عدة. وكان أوَّل لقاء جدي لأنطوني كوين مع شخصية عربية في فيلم سينمائي العام 1962 في فيلم "لورانس العرب". أما اللقاء الثاني فكان عندما عرض المخرج السوري مصطفى العقاد على أنطوني كوين قصة فيلم "الرسالة". ثم كان فيلم"أسد الصحراء" الذي أنتج عام 1980 عن شخصية الثائر الشهيد عمر المختار الذي قاوم الاحتلال الإيطالي لليبيا.

ينتقل مؤلف الكتاب، محمد منصور، بعد ذلك، الى الحديث عن حياة المخرج السينمائي السوري الراحل مصطفى العقاد( 1930-2005)، الذي درس المرحلة الابتدائية في مدرسة حكومية، غير أنَّ والده، وبعد حصوله على شهادة التعليم الابتدائي، نقله إلى مدرسة (الفرير) الفرنسية. ومن ثم انتقل في العام 1945 ، إلى الكلية الأميركية لإكمال دراسته الثانوية. كما عمل مصطفى العقاد لأكثر من عام، موظفاً في فرع البنك البريطاني للشرق الأوسط في حلب. وكان يتابع الدراسة ليلاً في أحد المعاهد الخاصة.

والطريف أنه خلال هذه الفترة استطاع أن يحقق حلم والده بالحصول على شهادة (البكالوريا) السورية. ومن حسن حظه أن مستر ميللر، مدير الكلية الأميركية التي كان مصطفى يدرس فيها، قرَّر مساعدته عندما لمس هوسه الشديد بالإخراج السينمائي. وأمَّن له مقعداً في قسم الإخراج في جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، إذ يمكنه أن يذهب مباشرة إلى الدراسة دون أن يضيِّع وقتاً، وكان ذلك عام 1953.

وتمضي السنوات في رحلة تحصيل شاقة عمل بها العقاد كمراسل صحافي لمجلة (الدنيا) الدمشقية التي كان يصدرها عبدالغني العطري. وبعد دراسة أربع سنوات في جامعة كاليفورنيا نال العقاد شهادة البكالوريوس في فن المسرح، ليلتحق بعدها بجامعة في جنوب كاليفورنيا، حيث أمضى ثلاث سنوات تخصص فيها بدراسة الإخراج السينمائي عام 1961.

ويتابع منصور سرد محطات حياة وإبداع العقاد بكامل تفاصيلها، وصولاً إلى مرحلة تقديمه سلسلة من البرامج التلفزيونية التي نالت شهرة واسعة في أميركا، مثل برنامج " كيف يرانا الآخرون"، ومن ثمَّ فتحت الأبواب أمام مصطفى العقاد إلى عاصمة السينما العالمية هوليوود. وبعدها توطدت مناحي تعاونه الابداعي المثمر مع أنطوني كوين، فأنتجا معاً، باقة منوعة من الاعمال السينمائية الفريدة التي سجلت بصمة عالمية مهمة في المجال.

 

 

الكتاب: أنطوني كوين ومصطفى العقاد

تأليف: محمد منصور

الناشر: وزارة الثقافة السورية دمشق 2010

 الصفحات: 192 صفحة

 

القطع: الكبير