يروي الباحث هشام ربيع في مستهل كتابه، سبب تناوله للموضوع، موضحاً أنه عندما كان يعمل مساعد مخرج في أحد برامج القنوات الفضائية المصرية في الثمانينات من القرن الماضي، فوجئ أثناء تصوير تقرير خارجي يستعرض آراء الجمهور حول مباراة للمنتخب المصري وقتها، فوجئ بالمراسل يحاول توجيه الناس لرأي معين يركز على نقد المدرب بشدة؛ ليعرف بعدها أن ذلك كان بناءً على طلب من مذيع البرنامج، ويأتي التقرير المصور الذي لم يستغرق دقائق معدودة مؤكداً على نجاح المذيع في الوصول إلى هدفه في توجيه الآراء تجاه شيء معين، معتمداً في ذلك على حب الناس للتصوير والظهور في التليفزيون.

ويلفت انتباه المؤلف، بعد هذه الواقعة، تناول بعض وسائل الإعلام أحياناً لموضوع أو فكرة بالانتقاد، لتأتي الوسيلة ذاتها بالمدح بعد ذلك، فيقرر على اثر ذلك ترك العمل بالإخراج التليفزيوني والبحث عن وسيلة لتوعية الناس بهذا الخطر.

ويوضح المؤلف، في خلفية الكتاب، أن كلمة «شيزوفرينيا» التي اعتاد الناس نطقها بهذا الشكل غير أن النطق الصحيح لها "سكيزوفرينيا"، تعني المرض العقلي، الفصام، حيث تعني "سكيزو" انفصام، و"فرنيا" النفس أو الروح، لكن الصحافة والكتاب اعتادوا استخدام اللفظ للتعبير عن ازدواجية الشخصية.

ويرى الكاتب أن هناك أهدافاً أخرى تحكم التناول الإعلامي غير المصلحة العامة والتنوير لا يعرفها أغلب المتلقين للرسالة الإعلامية، متمثلة في قوة ونفوذ أصحاب المصالح المستفيدين، فيحاول من خلال كتابه توضيح مدى خطورة وسائل الإعلام، التي يتكون معظم إدراك الجمهور وآرائه من خلال المعلومات التي تم استقاؤها من هذه الوسائل الإعلامية، سواء بالإيجاب أو السلب.

ووضع المؤلف، صورة لكيفية تناول الإعلام للأمور، لعلها تدق ناقوس الخطر وترشد المتلقي ليعي كيفية التعامل مع الإعلام، وعدم التسليم لكل ما يقال، حتى لا يقع في فخ الإعلام المضلل وكشف زيف وفساد الإعلام -على حد تعبيره، داعياً القارئ إلى التساؤل عند تلقي المعلومة من وسائل الإعلام عن الهدف من هذه المعلومة وما المصالح المتحققة منها ومن المستفيد من تمرير هذه المعلومة وسبب توقيت ظهورها؟.

ويرصد ربيع في كتابه، عشرة مواضيع تناولها الإعلام في أوقات معينة، بعضها تغير موقفه منها بطريقة منطقية مقنعة، معتمداً على نعمة النسيان البشري والآخر تغير في وقت ما، حسب المصالح المترتبة على إقناع الأفراد بالعكس، وفي كلتا الحالتين يتم استخدام المعلومات والأرقام والإحصائيات المتناقلة، تناقلها من وسيلة لأخرى.

ومن فرد لآخر دون التدقيق فيها لتصبح حقيقة مسلّماً بها بالتدريج، وغالباً ما ينسى أو يتوه المصدر الأول لهذه المعلومات، ومن ثم تتوه معه المصالح التي قد تكون متحققة له لتتحكم قوة المصدر في فرض سيطرته وقدرته في نشر وتوزيع وترسيخ هذه المعلومات، ومن ثم تحويل المعلومة إلى حقيقة -على حد تعبير المؤلف.

وتأتي أولى نماذج "شيزوفرينيا الإعلام" التي عبّر عنها الكتاب ووصفها الكاتب بـ"النموذج الصارخ"، عن صدام حسين، فتلك الشخصية اختلف تناول الإعلام لها في منتصف الثمانينيات من القرن الـ20، من المدح وتصويره على أنه قائد عربي عظيم إلى التسعينات.

حيث قدمته وسائل الإعلام باعتباره طاغية، مستعينة في كلتا الحالتين بالتقارير المصورة ومعلومات معينة مؤكدة للرؤية. ويقسم ربيع كيفية تناول الإعلام لهذه الشخصية إلى جزأين، في السلب والايجاب. ويوضح المؤلف أيضاً، كيف أن المتلقي قد يقع في حيرة عدد من الموضوعات التي عكسها الاعلام، بصور شتى، منها الزيادة السكانية (وحش يلتهم جميع الموارد أم ثروة يمكن الاستفادة منها؟) .

والزواج المبكر (خطر أم تقوية للعلاقات الأسرية؟)، والدروس الخصوصية (ضرر أم ضرورة؟) والتوك توك (حل عصري للمجتمع أم وسيلة لارتكاب الجرائم؟) والبطالة (بسبب فشل الحكومات المتعاقبة أم مشكلة الجيل الصاعد؟). ويدرج ربيع، في الموضوع الاخير ضمن كتابه، بحثاً موسعاً عن أخلاق المصريين متسائلاً: (متدهورة أم المصري لا يزال بخير ويملك الضمير؟).

ويوجّه ربيع ، في نهاية بحثه، رسالتين إحداهما للمتلقي قائلاً: "وإذا وجدت أن وسائل الإعلام في وقت ما تتبنى رأياً ما فانتظر قليلاً فقد تتغير المصالح وتقنعنا بعكس ذلك فها هي الشيزوفرينيا". والأخرى للقائمين على الإعلام، قائلاً: "أفيقوا يا قادة الرأي العربي، ويا من بيدهم شحن الهمم والتأثير في جموع البشر، أفيقوا أيها القائمون على الإعلام المصري ارحمونا من هذا الشطط الإعلامي".

ويدعو المؤلف إلى وجود قوانين رادعة تضع شروطاً قاسية للحد من الفوضى الإعلامية ولا تسمح بتدخل من هم بعيدون عن هذا المجال وتراقب المادة الإعلامية المقدمة وهل هي صالحة للاستهلاك الآدمي أم أنها مادة سامة تدمر العقول؟ -على حد قوله.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: شـــيزوفـرينيـــــا الإعلام

تأليف: هشام ربيع

الناشر: دار المدينة - القاهرة -2011

الصفحات: 124 صفحة

القطع: الصغير