يدل تعبير إفريقيا بالمعنى السائد على البلدان الواقعة جنوبي الصحراء التي تفصل بين القارّة السوداء والجزء الشمالي منها المعروف ببلدان شمال إفريقيا العربية.
ويقال إن إفريقيا جنوب الصحراء هي مهد من مهود الإنسانية الأولى، وإن تاريخها هو الأكثر قدماً في العالم. المؤرخة والأستاذة الجامعية الفرنسية كاترين كوكيري- فيدروفيتش، تعود إلى تاريخ هذه القارة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى الحقبة الراهنة، في كتاب يحمل عنوان: "تاريخ مقتضب لإفريقيا".
تتوزع مواد هذا الكتاب بين تسعة فصول بعد مقدمة تحدد فيها المؤلفة منهج عملها. وتتناظر الفصول المعنية مع ما تعتبره صاحبة الكتاب المحطات الأساسية في التاريخ الإفريقي ابتداء من الأصول، كما يقول عنوان الفصل الأول، وحتى فترة جلاء الاستعمار والاستقلال، موضوع الفصل الأخير. وقد جاءت عناوين الفصول الأخرى كالتالي: الوسط المحيط والشعوب، تطور البنى الاجتماعية، إفريقيا جنوب الصحراء في تاريخ العولمة، المراحل الكبرى للتاريخ الإفريقي حتى القرن السادس عشر، العبودية الإفريقية، الاستقلال الإفريقي في القرن التاسع عشر، ثم "الحقبة الاستعمارية والتحوّل الاجتماعي على المدى الطويل".
وتركز المؤلفة على أهمية مصدرين أساسيين في ثروة إفريقيا هي اليد العاملة والمواد الأولية وفي مقدمتها الذهب. الظاهرتان الأساسيتان اللتان ساهمتا في صناعة التاريخ الإفريقي تحددهما المؤلفة بـتجارة العبيد والاستعمار الأوروبي. ولا تتردد المؤلفة في تكرار القول إن القارة الإفريقية ساهمت كغيرها من القارات في تاريخ العالم.
وتركز المؤلفة على القول إن مصر بلد إفريقي. وأنه قامت في منطقة النوبة التي يتسم أهلها بالسواد الإفريقي، "حضارة رائعة تمتد جذورها إلى الجنوب كما إلى الشمال". هذه "الحضارة" هي كما تراها المؤلفة حضارة إفريقية "بامتياز" وهي تدرس تاريخها منذ توماي، ذلك الهيكل العظمي البالغ من العمر 8 ملايين سنة.
والذي جرى اكتشافه في تشاد عام 2001 وحتى اليوم. أما التوصيف الذي تقدمه المؤلفة للتاريخ الإفريقي فيتمثل في شرحها أنه تاريخ معركة مستمدة لتلك الشعوب الإفريقية مع الطبيعة. والخطوات الأولى لـدخول إفريقيا في التاريخ يتم تحديدها بتبني بعض التقنيات الزراعية البدائية منذ القرن السابع قبل الميلاد من ضفاف نهر النيجر وحتى منطقة البحيرات الكبرى. تتم الإشارة في هذا السياق إلى الغياب المدهش لتقنيات الري باستثناء منطقة وادي النيل- على الرغم من وجود العديد من الأنهار الغزيرة والكبيرة في القارة.
ولا تتردد المؤلفة في شجب مفهوم الحروب الاثنية التي يتم تكراره حيال النزاعات الحالية التي تعرفها عدة مناطق في إفريقيا من أجل السلطة والأرض. وهي ترى أن هذه النزاعات تقوم على خلفية مطالب تتعلق بالهويات التي جرت إعادة صياغتها واستغلاله خاصة من قبل القوى الاستعمارية السابقة. بل تؤكّد المؤلفة أن إفريقيا قدّمت للعالم أداة نقدية كبرى تمثلت بالذهب بينما جرى استعباد ثروتها البشرية الهائلة. هذا دون الحديث عن دورها كمصدر أساسي لتزويد الصناعة الأوروبية بالمواد الأولية.
إن المؤلفة لا تكتفي بتقديم القارّة الإفريقية حسبما جرت العادة لدى الباحثين والمؤرخين الغربيين. أي من خلال النزاعات والفقر. بل إنها تتصدى لتفنيد الأفكار السائدة حول هذه القارة وتعلن رفضها الصريح لـلخطاب ذي الطابع العنصري الغربي الذي يتسم، حسب رأيها، بقدر كبير من الجهل وازدراء الآخر.
وعلى طريقة المؤرخ الفرنسي الشهير فرنان بروديل، أحد مؤسسي مدرسة الحوليات لكتابة التاريخ التي تهتم بالسياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وبالواقع الطبيعي الذي أنتج الأحداث وليس بالأحداث نفسها، تقدم المؤلفة بدارسة تطور التاريخ الإفريقي على المدى الطويل. وتجد أن هناك تلازماً بين التغيرات المناخية من توزع للأمطار ولمصادر المياه والسيطرة على التقنيات الزراعية وحركات السكان وخريطة هجراتهم وتزايد عددهم والمبادلات التجارية.
وتذكّر المؤلفة قارئها بـالعظمة التي عرفتها في فترة العصور الوسطى إمبراطوريات إفريقية متعاقبة في غانا والنيجر وسونغاي و"عرفت كلها كيف تقيم قوتها على التجارة الدولية". لقد صدّرت الذهب واستوردت الملح الذي كانت تحتاجه القارة وساهمت عبر دورة التجارة في ازدهار الاقتصاد الأوروبي نفسه.
وعلى خلفية التأكيد على دور القارة الإفريقية في الاقتصاد والحضارة العالميين تركز المؤلفة على ضرورة التوقف عن الفصل التعسفي بين التاريخ ما قبل الاستعماري والتاريخ الاستعماري والتاريخ ما بعد الاستعماري. وتحاول بالوقت نفسه تقديم البراهين على قدم العلاقات التي أقامتها القارة مع بقية العالم وخاصة مع القوى التي استعمرتها لاحقاً.
مقابل ذلك كله ترى المؤلفة أن إفريقيا لا تزال تعاني من التغلغل الأوروبي في شؤونها ومن ضعف تصنيعها. لكنها تملك من الموارد الاقتصادية، والطاقات البشرية ما يسمح لها بالإقلاع من جديد.
الكتاب: تاريخ مقتضب لإفريقيا، منذ ما قبل التاريخ حتى اليوم
تأليف: كاترين كوكيري- فيدروفيتش
الناشر: لا ديكـــــوفيــــرت- باريس- 2011
الصفحات: 222 صفحة
القطع: المتوسط
Petite histoire de lAfrique
Catherine Coquerey- Vidrovitch
La Découverte - Paris- 2011
222 .p