يستهل مؤلف الكتاب، د.علي النملة، محاور بحثه، بتوضيح حقيقة ان الموسوعات أو دوائر المعارف، تعد من أهم أوعية المعلومات، فى مقابل الكم الغث من المعلومات التي قد يتعامل معها الأفراد من خلال وسائل الإعلام، أو حتى بعض الكتب البسيطة. كما يعتبر أي جهد فردي كان أو جماعي من أجل انجاز عمل علمي، في مجال تخصصي ما، جهداً محموداً ومطلوباً في زمن التخصص..

 ويصدق هذا على جهد المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، في موسوعته حول اليهودية والصهيونية، والتي تمثل موسوعة فكرية، أكثر من كونها موسوعة علمية. ويركز د. النملة على رصد تفاصيل مضمون الموسوعة، ورؤاها المرجعية التاريخية، شارحاً توجهات وأهداف المسيري في هذا الصدد.

عد المسيري من أبرز المؤلفين العرب حول اليهودية والصهيونية، بعد أن أمضى ثلاثين عاماً في بحثه، وخرج على القارئ العربي بموسوعته التي بلغت ثمانية أجزاء. عرض فيها تجربة الحداثة الغربية بشكل عام، والعلمانية بصورة أكثر عمومية، مع ظهور الرغبة في العودة إلى الأخلاق، في عصر تلاشى فيه اليقين وتزعزعت الأساسات. كما صدرت له عشرات الكتب والدراسات والمقالات عن الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، والحركة الصهيونية في العالم.

ولا يغفل المؤلف ان يلفت الى انه هناك مؤشرات تلمح إلى ملاحقة اليهود للراحل المسيري، وتركيزهم على مهاجمته، ومنها سرقة منزله في نيوجرسي بالولايات المتحدة الأميركية بالكامل.. ومنها تهديده بالرسائل التي ترسل إليه، وفيها تهديد بالقتل له.. كما أشاعوا بأنه سيسافر إلى الكيان الصهيوني! كما له، ومع غموض قضية المصطلح، مجموعة كبيرة من المعارك الفكرية.

ومنها مصطلح «العلمانية». ويبين النملة ان المسيري كان يرى أن العبقرية اليهودية هي أهم تلك الأوهام المتداولة لدى الصهاينة، ولعلها الهم الأول، لأنها شائعة وتروج لها الصهيونية. فلم يمارس اليهود أي دور فى نشوء الحضارة الإنسانية القديمة، سواء المصرية أو الرومانية أو الإغريقية وأيضاً الإسلامية. وهذا رغم اشتهار بعض اليهود في نشاطات الحضارة الإسلامية في مجالات الطب والصيدلة والتجارة والربا. واما الوهم الثاني فهو ما يتعلق بتهمة الدم، ويقصد:

«إن اليهود يحتاجون دم طفل أو شاب مسيحي نصراني- لاستخدامه فى صنع الماتسوت، وهو فطير الفصح اليهودي». ورأى المسيري، انه تعود هذه التهمة في منشأها إلى منتصف القرن الثاني عشر، عندما برز اليهود في أوروبا كمرابين نشطين، فتحولوا في مخيلة الشبيبة، وفي لغة العامة، إلى مصاصي دماء.

وينفي المسيرى هذه التهمة عن اليهود. وأما الوهم الثالث، فهو وهم المؤامرة اليهودية الكبرى، ويرى أن هذا ضرب من التفكير الساذج. كما يرى المسيري كذلك، في دحضه لاتهامات واقاويل اخرى، أن البروتوكولات(حكماء صهيون)، صياغة المخابرات الروسية القيصرية للنيل من التحركات التحريرية واليهودية معاً. ويرى أن كتاب البروتوكولات يحتوي على اقتباسات حرفية ومطولة من كتاب حوار في الجحيم بين ميكافيلي ومونتسكيو، أو السياسة في القرن التاسع عشر.

ويخلص المؤلف النملة، الى انه أجمل المسيري رؤيته تلك، ضمن هذه الموسوعة عن اليهودية والصهيونية، وبثها فى ثمانية أجزاء، ثم اختصرها في جزأين ضخمين. ويجد ان من يطلع على الموسوعة تلك، يتنفس الصعداء- حسب المؤلف- ويحس أن شيئاً ثقيلاً أزيل عن صدره، من جراء تضخيم وهم حول شرذمة من اليهود، حيث لا يزيد عددهم في العالم على 15 مليون نسمة، وهم في تناقص، لا في زيادة!

 

الكتاب: الموســــوعــــات الفردية .. المسيري نموذجاً

الكاتب: د. علي إبراهيم النملة

الناشر: كتـــــــاب المجلـــة العـــــــربيـــــــــة- السعـــوديــــــة - 2011م

الصفحات: 126 صفحة

القطع: المتوسط