اشتهر في أميركا خلال العقود الأخيرة «نوع أدبي»، يخص الخوض في مسألة الحداد وكيفية مواجهته. ذلك عبر توصيف المشاعر والتحديات والألم الذي يرافق التجربة القاسية لموت الآخر، القريب وشريك الحياة. وعن هذه التجربة بالتحديد تقدّم الروائية والكاتبة الأميركية الشهيرة جويس كارول واتس كتاباً تحت عنوان «قصة أرملة».
الأرملة المقصودة هي نفسها، حيث إنها فقدت زوجها في عام 2008 إثر إصابة رئتيه بالتهاب أنهى حياته. كان ذلك بمثابة «سقوط حرّ» بالنسبة لها، كما تقول. ذلك الموت وما ترتب عليه من تغيير جذري في مسيرة حياتها وتحوّل مكانتها من زوجة إلى أرملة هو موضوع هذا الكتاب.
الألم الذي يسببه رحيل الذين نحبهم يمثّل صفة عامّة بين البشر. لكن تكون له بعض الخصوصية عندما يكون المعني فيه كاتباً مبدعاً من صنف جويس كارول واتس التي أعطت للتجربة عمقاً كبيراً ورافقها قارئها منذ الجملة الأولى في الكتاب حتى الجملة الأخيرة القائلة: «لقد نجحت في البقاء على قيد الحياة».
وعلى مدى صفحات هذا الكتاب التي يزيد عددها على 400 صفحة تردد «رسالة» واحدة بأشكال مختلفة عن قسوة «الترمّل» الذي سبدو كـ«عقاب ينتظر المتزوجين». والرسالة موجهّة خاصة للقارئات من النساء،.
وتروى الكاتبة بالتفصيل تجربتها مع مرض زوجها الذي دخل المستشفى بسبب إصابة بالرئتين وكاد أن يشفى تماماً في ذلك اليوم الذي تركته فيه في المستشفى وذهبت لتركن للنوم الهادئ بعد أن طمأنها الأطباء على سلامته. لكن فجأة، وبعد منتصف الليل، يرنّ الهاتف ليقول المتحدث في الطرف الآخر: «زوجك رايموند سميت في حالة خطيرة جداً»، كما جاء في الكلمات الأولى من الكتاب.
ثمّ تحاول المؤلفة الدخول إلى أعماق تجربة الترمّل وآلامها ومدى ما يترتب عليها من التشويش الذهني لمن يعيشها.
وتتزاحم الأسئلة التي لا إجابات عليها مثل: كيف يمكن أن يحدث ذلك بين ليلة وضحاها؟ واستمرار مشاعر أن في الأمر خطأ وأن الراحل لم يرحل وماذا لو عاد؟ وذلك الاندفاع المتجدد دائماً لسماع آخر الرسائل الصوتية التي تركها على شريط تسجيل الرسائل الهاتفية، إنها متعة «سماع صوته مرّة بعد أخرى». وهناك أهمية استثنائية، كما نقرأ، للنطق المتكرر بأقصى درجة ممكنة لاسم الراحل خشية نسيانه.
ومن أصعب اللحظات التي يعرفها من يفقد قريباً وحبيباً تجدها جويس كارول واتس في صعوبة الاصطدام بألم الآخرين. هذا في الوقت الذي عليك أن تستنجد بكل قواك من أجل مقاومة ما تعاني منه من ألم. بكل الحالات على الأرملة أن تواجه الوضع الجديد وحدها وعليها واجب أن ترسم على وجهها ابتسامة كي تبيّن أنها قادرة على تحمّل الصدمة.
عاشت المؤلفة، كما تشير، مع زوجها 47 سنة و25 يوماً. وكانا قد التقيا للمرّة الأولى في اجتماع طلاّبي بجامعة ويسكنسون.
لقد عمل في ما بعد بالنشر وتولّى إدارة مجلّة أدبية تنشر نصوص أدباء معروفين من بينهم مرغريت اتوود وفيليب روث وروبرت بين وارن وغيرهم. ومن اللافت للانتباه أن المؤلفة تتحدث عن الأرملة باسم السيدة سميت، وما يمكن أن يعني كل امرأة. لكن المؤلفة تعترف أنها كانت في حزنها من أصحاب الحظوة، ذلك أنها تعيش في وسط أدبي مرموق ومحاطة بنخبة من الأصدقاء من جامعيين أو ناشرين أو كتّاب.
ولا تتردد جويس كارول واتس في تقديم مادة هذا الكتاب كنوع من الذكريات الحميمة التي عاشتها مع زوجها الذي انتزعه الموت فجّأة. تكتب: «مات زوجي وانهارت حياتي». وهي تحكي عن قصتها، «قصّة أرملة» على أساس أنها قصّة نضال امرأة من أجل «فهم الحياة بلا شراكة»، إنسانان أمضيا معا قرابة نصف قرن من الزمن.
بالمقابل تحكي عن خوض التجربة الجديدة في بداياتها الصعبة مع شراكة مشاعر القلق والحسرة والفراغ والكوابيس وقبل كل شيء اليأس. ثمّ الاعتراف التدريجي باكتساب صفة أرملة، كما تشير، ثمّ تضيف «هذه هي حياتي اليوم». ولا تتردد في القول ان نجاحها الأكبر كان في قدرتها على مقاومة الميل نحو تناول العقاقير المهدئة إلاّ في بعض الحالات النادرة.
إن القسم الأكبر من هذا الكتاب يخص الأشهر الستة الأولى التي أعقبت رحيل زوج المؤلفة؛ «الأشهر الستة الأولى من حدادها»، كما تقول.
ومن الواضح أنه كتاب شخصي في أحد مظاهره الأساسية، وحيث تضم صفحاته العديد من نصوص الرسائل التي كانت المؤلفة قد حررتها عقب وفاة زوجهــا والردود التـــي تلقتها عليها. ويبدو بوضوح ما احتوته من مشاعر حزينة وما تثيره من نفس المشاعر لدى من يقرأها عبر استعادة ذكريات لحظاتها. تلك اللحظات تبحث المؤلفة، بوضوح أيضاً، عن سبل تخليدها لديها ومشاركة الآخرين بها. تقول:
«قد تعتقدون أن الرعب والوحدة ينبعان من مشاعر عابرة، لكن الأمر ليس كذلك».
الكتاب: قصّة أرملة
تأليف: جويس كارول واتس
الناشر: ايكو- نيويورك- 2011
الصفحات: 432 صفحة
القطع: المتوسط
A widows story
Joyce Carol Oates
ECCO- New York- 2011
432 .p