يعالج كتاب «شروط النهضة» لمؤلفه مالك بن نبي، والذي صدرت طبعة جديدة له، أخيراً، في الدوحة (في شهر نوفمبر)، يعالج موضوعة ركيزية في مضمون شروط نهضة العالم الاسلامي وأسباب تأخره.

ويبين بن نبي أن العالم العربي ظل خارج التاريخ دهراً طويلاً، كأنه لم يكن له هدف، فاستسلم المريض للمرض، وفقد شعوره بالألم حتى كأن المرض صار يؤلف جزءاً من كيانه. وقبل ميلاد القرن العشرين سمع من يذكره بمرضه، ومن يحدثه عن العناية الإلهية التي استقرت على وسادته، فلم يلبث أن خرج من سباته العميق ولديه الشعور بالألم. وبهذه الصحوة الخافتة تبدأ بالنسبة للعالم الإسلامي والعربي حقبة تاريخية جديدة يطلق عليها النهضة.

وخلال هذه السنوات الطويلة قدمت دراسات وأبحاث تتصل بموضوع النهضة. هذه الدراسات تعالج الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى. ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أي دراسة مرضية للمجتمع العربي، دراسة لا تدع مجالاً للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون.

ويوضح المؤلف أنه نجد أن كل مصلح قد وصف الوضع الراهن تبعاً لرأيه أو مزاجه أو مهنته. فرأى رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما رأى عالم دين كالشيخ محمد عبده، أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ.

ونتج عن هذا أنهم منذ مائة عام، لا يعالجون المرض، وإنمـــا يعالجون الأعراض، وكانت النتيجة قريبة من تلك التي يحصل عليها طبيب يواجه حالة مريض بالسل، فلا يهتم بمكافحة الجراثيم، وإنمـــا يهتم بهيجان الحمى عند المريض. والمريــض نفسه يريد - ومنذ مائة عام - أن يبرأ مـــن آلام كثيــرة، منها: من الاستعمار ونتائجه، من الأمية بأشكالها، من الفقر رغم غنى البلاد بالمادة الأولية، من الظلم والقهر والاستعباد.

واستحضر مالك بن نبي في كتابه، مفهوم البطل في الإلياذة والأوديســـة، الذي يقاتـــل ويصارع حتى الموت، لدوافع دينيـــة وإنسانية بحتة، دون إحراز النصر.

مؤكداً أن محاربـــة الاستعمار في العالم العربي والإسلامي كانت شبيهة بقتال الأبطال الإغريق، أي أنه قتال محكوم مسبقاً بالهزيمة، وأعطى مثالاً تمثل بمحاربين جسورين، هما الأمير عبد القادر والمجاهد عبد الكريم الخطابي، مؤكداً أن حركتهما التحررية لم تعالج جذور المشكلة، وأن جمال الدين الأفغاني هو من انتصر بالفكرة، قائلاً في هذا الصدد:

«إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلة ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبنى الحضارات أو تهدمها». كما تطرق بن نبي إلى دور السياسة والفكر، وتحدث عن أثر الكلمة وما تنتج عنه من فوائد للفرد والمجتمع. وعن دور الوثنية ركز مالك بن نبي على الزوايا والأضرحة التي تعج بهما البلاد. وكذلك الدراويش الذين يصدقون تلك الخرافات وصورة الوثنية الجديدة متخذة الطابع السياسي والأصنام المزوقة بأسماء جديدة.

ويرى أننا بدل أن نبني حضارة، قمنا فقط بتكديس منتجاتها، لم تكن النهضة الإسلاميـــة بناء، بل تكديس المواد. ويوضح بن نبي أن المقياس العام في عملية الحضارة، هو:

أن الحضــارة هي التي تلد منتجاتها. كما عرض العلاج من خلال معـــادلة هـــي: ناتج حضاري =إنسان + تراب + زمن، بالإضافة إلى الدين. وتعود مشكلة النهضة، برأيه، إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، لابد من حلها لإقامة نهضة.

ثم تحدث بعدها عن الدورة الخالدة، فالحضـــارة عنده تمر بثلاث مراحل هي: مرحلة الإقلاع، تليها مرحلة البنيان والتمدين، وصولاً الى مرحلة الهبوط من هذا السقف التمديني وبعدها الانحطاط الحضاري. كما بين معنى العدة الخالدة بأنها الوقت الزمن- وساعة العمل. وشرح أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة من خلال تتبع فلسفي وتاريخي لهذه النقطة.

كما تطرق المؤلف الى مشكلة المرأة واختزال النظرة اليها بمنحى اضطهادي وسادي لترسخ صورتها المسطحة، ومن ثم اغفال ضرورات تخطيط حياتها لتكون حاضرة في المجتمع.

وأخيراً أنهى بن نبي كتابه، بالحديث عن الاستعمار والشعوب التي تقبع تحت ظلمته، لافتاً الى أن الخطر ليس من المستعمر بقدر ما يعود الخطر للعقلية التي تتكيف معه، أي القابلية للاستعمار.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: شروط النهضة

تأليف: مالك بن نبي

الناشر: مجلة الدوحة كتاب الدوحة 6 - قطر- 2011 م

الصفحات:176صفحة

القطع: المتوسط