هناك جمل تقتل، كما يقال في عالم السياسة. والصحافيان الفرنسيان رونو دولي وهنري فيرنيه يقدمان كتابا بحوالي 300 صفحة عن العنف الكلامي الذي يمارسه رجال السياسة حيال خصومهم، وفي بعض الأحيان حيال أصدقائهم إذا كانوا يرون أنهم قد يشكّلون بطريقة ما، عقبة أمام تقدمهم.

وتحت عنوان "الفرسان الثلاثة" الذي اشتهر عالميا من خلال رواية "الكسندر دوما" التي تحمله يكتب المؤلفان عن الخصومات بين أربعة "الفرسان الثلاثة". وفي رواية دوما كانوا أربعة وليس ثلاثة كما يدل العنوان- عن أربعة من الساسة الفرنسيين الذين كانوا يحيطون بالرئيس السابق جاك شيراك.

وهم يضعون اليوم أنفسهم في خدمة نيكولا ساركوزي، الرئيس الحالي. الأربعة المقصودون هم: جان فرانسوا كوبيه رئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الحاكم، فرانسوا باروان، كريستيان جاكوب (الوزيران)، برونو لومير مدير مكتب دومينيك دوفيلبان رئيس الوزراء الأسبق. وهؤلاء الأربعة تبادلوا الجمل الجارحة من نوع: "اعتبرته صديقي"، كما قال لومير عن باروان الذي ردّ بالقول ان لومير "تجاوز الخط الأصفر". المعركة الكلامية تطلّبت تدخل الرئيس نيكولا ساركوزي نفسه.

وهيرفي موران وزير الدفاع لن ينسى، كما يقول المؤلفان، ذلك المساء من شهر أبريل 2010 في قصر الاليزيه. كان الرئيس ساركوزي يريد أن يسبر نوايا موران، رئيس حزب الوسط الجديد، حيال الترشيح للانتخابات الرئاسية عام 2012. وكان موران يريد أن يبيّن للرئيس نيّته في الترشيح.

وهذا ما لم يكن يرغبه الرئيس في إطار بحثه عن أن يكون المرشح الوحيد لليمين. قال ساركوزي مرّات: حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية حزبه- وحزب الوسط الجديد شيء واحد. هذا ما علّق عليه موران بالقول: كان ساركوزي في غاية البرود بموقفه وعنيفا في أطروحاته.

ووصل إلى حد التهديد بالقول: الوسطيون لا وجود لهم وإذا تابعت بهذه الطريقة سوف أطردك- أي من الحكومة. وأضاف موران: صمت نيكولا ساركوزي وحدّق بي لمدة 15 أو 20 ثانية طويلة. كان ذلك بمثابة دعوتي للانضباط دون أن يقول: عليك أن تخفض بصرك وتطيع.

وقبل التعديل الوزاري الذي جرى بتاريخ 14 نوفمبر 2011 بثمانية أيام. استدعى ساركوزي وزير دفاعه وبادره بالقول: "ما هو موقفك؟ فأجاب: لم أغيّر رأيي وفهمت جيدا أنه يتم إقصائي. أضاف ساركوزي: كلاّ، لقد فهمتني خطأ، أريد الاحتفاظ بك وسيتم تكليفك بحقيبة وزارية أخرى، وكلود غينا أمين عام قصر الاليزيه- سيقل بك غداً". وينقل المؤلفان أن الرئيس ساركوزي أسرّ للوزير بورلو قوله: "إن موران يزعجني، لكنني لن أقصيه عن الحكومة وسأجد له حقيبة أخرى". مع ذلك لا يزال ينتظر هاتف غينا حتى الآن.

بالنسبة لمعسكر اليسار يعود المؤلفان إلى شهر سبتمبر 2000. في ذلك التاريخ اكتشف فرانسوا هولاند، الأمين الأول للحزب الاشتراكي آنذاك، أن دومينيك ستروس كاهن سيتعرض للتحقيق في قضية إخفاء شريط مسجل عن التمويلات السرية لحزب التجمع من أجل الجمهورية، حزب جاك شيراك. ويروي المؤلفان أنه في 30 أبريل من عام 2011 دعا دومينيك ستروس كاهن، مدير صندوق النقد الدولي آنذاك، حفنة من الصحافيين إلى مطعم باريس.

وقال لهم في أفق كونه المرشح الأوفر حظاً لليسار إن مارتين اوبري، الأمينة الأولى للحزب الاشتراكي لا ترغب التضحية بحياتها الخاصة من أجل قصر الاليزيه، وإنها لا تريد العيش محاطة برجال الشرطة. وبعد أن أشار ستروس كاهن إلى أن سيغولين روايال وعدداً آخر من قادة الحزب لا يشكلون خصوماً حقيقيين توقف عند فرانسوا هولاند.

وقال عنه: على فرانسوا أن يتحلّى بالمسؤولية. ولن يكون أمامه أي خيار. عليه أن يأخذ مكانه خلفي ويدعمني في الانتخابات الأولية- لتعيين مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية-. لا مجال لذهابه في ترشيحه حتى النهاية، إذ سيضعف موقفي، وإذا لزم الأمر سوف ألوي ذراعه.

وأضاف ستروس كاهن: فرانسوا شاب ذكي، وأمامه مستقبل باهر. يمكنه أن يتأمل فوزه بحقيبة وزارة الاقتصاد وربما رئاسة الوزراء. وهو حاقد جداً على ليونيل جوسبان لأنه تركه في قيادة الحزب ولم يعينه وزيراً-، ويرى أن مارتين أوبري سيئة وغير عادلة حياله- أما أنا فربما أنني أستطيع فعل شيء ما من أجله. كل شيء يتعلق بالموقف الذي سيتخذه. ثم أضاف المدير السابق لصندوق النقد الدولي: إذا كان يريد أي شيء فعليه أن يخضع أن ينبطح على الأرض- وبسرعة.

بعد أسبوعين فقط، دومينيك ستروس كاهن هو الذي خضع وانبطح أرضاً، وحيث غدا من الصعب وقوفه سياسياً من جديد. أما فرانسوا هولاند فهو الذي أعطاه الاشتراكيون ثقتهم ليكون مرشحهم في الانتخابات الرئاسية القادمة. وربما سيصبح رئيس الجمهورية الفرنسية القادم.

وعن علاقة فرانسوا ميتران ورئيس وزرائه لسنوات ميشيل روكار فيعبّر عنها المؤلفان أنها كانت علاقة الأب السيئ والابن العاق. وحكايات كثيرة أخرى عما يقال وراء الأبواب في الحياة السياسية الفرنسية حيث "كل الضربات مسموح بها".

 

 

 

 

 

الكتاب: كل الضربات مسموح بها من ميتران إلى ساركوزي

تأليف: رونو دولي هنري فيرنيه

الناشر: كالمان ليفي باريس 2011

الصفحات: 295 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Tous les coups sont permis

Renaud Dély, Henri Vernet

Calman Lévy - Paris- 2011

295 p .