لم تكن الولايات المتحدة تمتلك سوى عدداً قليلا من الطائرات بدون طيار عند غزو العراق ولديها اليوم أكثر من 7000 منها.

ب. دبليو سنجر هو أحد المفكرين السياسيين والمؤلفين ذوي الشهرة العالمية في مجال السياسة الدولية والحرب الحديثة. وبعد أن قدّم كتابين عن الحرب الحديثة ودور الأطفال وأرباب الصناعات العسكرية فيها، يقدم اليوم كتاباً جديداً تحت عنوان: «منظومة من أجل الحرب» الذي يبحث فيه دور ثورة المعلوماتية ونزاعات القرن الحادي والعشرين، كما جاء في العنوان الفرعي.

ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة أن أشياء هامة تجري اليوم على صعيد تاريخ الحرب، وربما على صعيد الإنسانية كلها. ويشير إلى أن الجيش الأميركي قد توجّه لخوض الحرب العراقية الأخيرة وليس في حوزته سوى عدد قليل من الطائرات بدون طيار في الجو، ودون أن يمتلك عندها أية منظومة أرضية تعمل ذاتيا. واليوم يمتلك هذا الجيش 5300 طائرة من دون طيار وترسانة هائلة من الصواريخ ومن القاذفات والرشاشات. وهذه كلها ليست سوى الجيل الأول من فئتها.

ويحدد ب. دبليو سنجر القول ان موضوع كتابه الحالي هو محاولة فهم أبعاد اللحظة التاريخية الراهنة التي غدا فيها الإنسان الآلي الروبوت- أحد عناصر المعارك الحديثة التي يخوضها البشر. الأمثلة المقدّمة على تعاظم مشاركة الآلات الحربية الموجهة ذاتيا من طائرات بدون طيار وغيرها كثيرة.

هكذا مثلا ترى أن عدد أسراب الطائرات بدون طيار الأميركية التي تشارك في شن هجوم على باكستان اليوم يزيد بخمسة أضعاف على عدد الطائرات من نفس الطراز التي شنّت هجومات على كوسوفو قبل 10 سنوات. وبهذا المعنى أيضا تضاءل دور العنصر الإنساني في الحروب الحديثة لصالح دور الأجهزة المسيّرة ذاتيا، أو ما يرى به المؤلف تشكّل جيوش القرن الحادي والعشرين المجهّزة بآلات تعمل ذاتيا «روبوت» ويتم توجيهها عن بعد.

ويدرس المؤلف بإسهاب الكيفية التي ساهمت فيها العوامل الاجتماعية والتكنولوجية في تغيير وجه الحرب الحديثة. والتأكيد أن المشاعر المترتبة على أن الحروب أصبحت ذات طبيعة آلية واستخدام الأطراف المتحاربة لهذا البعد الآلي ستؤدي بالضرورة إلى زيادة عدد الحروب بالنسبة للسكان المدنيين. ذلك أنه من السهولة أكثر شنّ الحروب عن مسافة بعيدا عن الدخول في خوضها بواسطة العنصر البشري. وهناك فرق كبير بين خوض الحرب بـبشر آليين، وخوضها بواسطة بشر من لحم ودم.

لكن تضاؤل دور العنصر الإنساني في ساحات المعارك يبعد بالوقت نفسه مفاهيم العدالة عن الحروب. وغدت الحروب نوعا من تطبيق التوصيفات الشائعة في أدب الخيال العلمي، الذي يدرسه المؤلف بكثير من الدقّة. ويرى أن ميادين المعركة الحديثة تكاد تكون نوعا من التجسيد لتوصيفات قدّمها مؤلفو الأعمال الأدبية الشهيرة في مجال الخيال العلمي.

وضمن نفس المنظور يقوم المؤلف بإجراء مقابلات مع رجال علم وجنود ورجال سياسة ورجال قانون للبحث في السؤال المتعلق بـترك الطائرات دون طيار تقوم بالحروب بدلا عنا.إن اللجوء إلى الحرب الآلية تجد تطبيقاته في مختلف ميادين الحياة وليس على صعيد الحروب فقط.

هكذا مثلا كان بعض أعضاء الكونغرس الأميركي قد طالبوا وزارة الأمن الداخلي الأميركي باللجوء إلى استخدام طائرات بدون طيار لمراقبة حدود الولايات المتحدة الأميركية مع المكسيك. وفي المحصلة ستجد الإنسانية نفسها محكومة بمنظومة آلية من الروبوت وبذكاء اصطناعي يقوم بإدارة اقتصاد غدا أكثر فأكثر تعقيدا.

المنظومة الآلية المعنية ظهرت ملامحها أكثر وضوحا على صعيد التسلّح خلال السنوات الأخيرة. فالجيش الأميركي يمتلك اليوم أكثر من 7000 طائرة بدون طيار، بينما لم يكن يزيد عدد هذا النموذج من الطائرات على عدة عشرات عندما قام بغزو العراق عام 2003.

ولم تكن الزيادة على صعيد العدد فحسب، بل أيضا على صعيد التنوع، إذ هناك طائرات من نوع «بيرداتور» التي يبلغ طولها 15 مترا، بينما هناك طائرات صغيرة الحجم إلى درجة أنه يمكن لجندي أن يحملها في حقيبة العتاد التي يحملها على ظهره.

ولم يكن سلاح البر الأميركي يمتلك عام 2003 أية عربة تسير بواسطة التوجيه عن بعد «بدون سائق» بينما بحوزته الآن أكثر من 12000 عربة، منها مثلا المعروفة باسم «بكابوت» التي يعادل حجمها حجم آلة تعشيب الحدائق، و«تالون» الأصغر حجما، هاتان العربتان تستطيعان نزع الألغام المنصوبة على جانبي الطرقات.والبشر يجدون أنفسهم أمام هذا كله أمام عدم القدرة على تصور ما لا يمكن تصوره.

وبالتالي لا بد من وضع الاستراتيجيات العسكرية والأمنية الخاصة باستخدام التكنولوجيات المتقدمة، وأيضا أن تؤخذ بالاعتبار الطرق التي قد يستخدمها الخصوم لهذه التكنولوجيات وشن هجوم بأفضل الأسلحة التي تنتجها الدول المتقدمة.

 

 

 

الكتاب: منظومة من أجل الحرب

تأليف: ب. دبليو سنجر

الناشر: بنغوان لندن 2010

الصفحات: 400 صفحة

القطع: المتوسط

 

Wired for war

P. W. Singer

The Pinguin Press- London- 2010

400 p.