تحظى المسائل المتعلقة بالتاريخ الاستعماري والإمبراطوري بالكثير من النقاشات في الغرب اليوم. ويأتي في هذا السياق كتاب أستاذة التاريخ البريطاني "الإمبراطوري" في جامعة اللينوا الأميركية "انطوانيت بورتون" الذي يحمل عنوان: "إمبراطورية موضع تساؤل".

يضم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات التي كانت المؤلفة قد قدّمتها منذ أواسط عقد التسعينات الماضي وتتعرّض فيها للتاريخ البريطاني الحديث من منظور الإرث الإمبراطوري السابق. بل وتحاول تقديم البراهين على "كيف ولماذا"؟ ينبغي كتابة تاريخي "الأمة" البريطانية و"الإمبراطورية" البريطانية معاً.

وتستعرض المؤلفة في مقدمة الكتاب كيف أن "لقاءها المبكّر" مع أشكال النقد حيال الحركات النسائية وحيال الفترة ما بعد الاستعمارية قد قادها إلى ضرورة التساؤل عن كل ما قبل وما تردد حول "مزاعم الموضوعية" في مجال كتابة التاريخ. وكذلك إلى القناعة الثابتة بضرورة إعادة فهم التاريخ البريطاني بالعلاقة مع تاريخ العالم كله. وتصل المؤلفة من خلال هذا كله إلى ضرورة حثّ الباحثين على خوض النقاشات حول طريقة النظر إلى الإمبريالية الإمبراطورية على ضوء الأحداث الراهنة. هذا على خلفية التأكيد على "وحدة التاريخين" وبالوقت نفسه "تشكك" المؤلفة بطريقة كتابة التاريخ السائدة.

يحتوي هذا الكتاب على 15 مساهمة كتبتها المؤلفة بين عام 1994 وعام 2008. ويتراوح طابع هذه المساهمات بين التوصيف العملي والتحليل النظري. وفي المساهمات ذات الطابع النظري تؤكد المؤلفة على فكرة مفادها أن تاريخ انجلترا وتاريخ الإمبراطورية البريطانية يخصان "تاريخ جزيرة" تسكنها "أمة صغيرة" نجحتا، أي الجزيرة والأمة، في وضع يدهما على قسم كبير من العالم وإدارته لخدمة مصالح "المركز".

و"تاريخ الجزيرة" البريطانية كتبه بريطانيون أرادوا بدوافع خدمة مصالحهم ومساراتهم الشخصية، ولكن مما دفع بالوقت نفسه نحو تحقيق "المشروع الإمبراطوري" البريطاني. مثل هذا المسار تدرس المؤلفة في مساهماتها عبر أفكار مأخوذة من دراسات ثقافية وخاصة بحقوق المرأة ودراسات ما بعد استعمارية. وتشير أن الأساتذة والمستشرقين الذين "تتلمذت" على يدهم في الجامعة كانوا غالبا "على قناعة كاملة بما كان سائدا في مقولات التاريخ ما بعد الاستعماري". تشير المؤلفة في هذا السياق أن ادوارد سعيد تجنّب في كتابه الشهير "الاستشراق" الخوض في "المسائل التي تشير الإشكاليات".

وتركز على أن القول إن المؤرخين وحتى عام 1970 قد "استثنوا" أو "استبعدوا" من التاريخ الإمبريالي المسائل الخاصة بالنساء. هذا مع استثناء كبير يخص "الملكة فكتوريا" التي تحظى، هي وحقبتها، باهتمام كبير. مع الإشارة، أن بعض المؤرخين يميلون إلى القول بوجود "روابط ضعيفة" بين التاريخ الإمبريالي وبين الدراسات الثقافية. الأمر الذي تجده المؤلفة مستغربا وصعبا على الفهم، خاصة فيما يتعلق بغضّ النظر عن المساهمة التي قدّمها بعض المؤرخين "الماركسيين" في هذين الميدانين، من أمثال المؤرخ المعروف "اريك هوبسباوم".

يضاف إلى هذا ملاحظة أن بعض المؤرخين التقليديين يخلطون "عن عمد" بين الثقافة والأدب من أجل كتابة التاريخ. وتبدي المؤلفة-المؤرخة قلقها من "الإفراط في إعطاء الاهتمام للأبعاد الأدبية وحدها كنتيجة للقاء الاستعماري". وفي المحصلة ترى المؤلفة أن التاريخ الإمبريالي "التقليدي" يتركز "على الرجال" أكثر مما هو على "هدفه الرئيسي".

المقولة السائدة في التاريخ التقليدي "الإمبريالي" هي أن الإمبراطورية البريطانية كانت حصيلة ما قام به مجموعة من الرجال بدافع "الاكتشاف والاستيلاء وتمدين المتوحشين"، دون أن يكون لذلك كله أي أثر على بريطانيا نفسها سوى "زيادة ثراء" بعض مواطني التاج البريطاني ورفع مكانة بعض أولئك الرجال إلى مصاف "الأبطال". والتأكيد من جهة أخرى أن الإمبراطورية كانت أيضا "صناعة بيضاء"، بمعنى أن الذين أرسوا أسسها هم من "أعضاء ناد يقتصر على الرجال البيض"، عاونتهم حفنة من "أبناء البلدان المعنية الأصليين" الذين عملوا كخدم وحمالين.

الإرث الثقافي

ترى انطوانيت بورتون أن المؤرخين "وأغلبيتهم من الرجال" يعالجون غالبا تاريخ الإمبراطورية البريطانية وكأنه منفصل عن تاريخ انجلترا "الجزيرة". هؤلاء المؤرخون "التقليديون" يتفقون عامة على "التقليل من قيمة تأثير المستعمرات على الثقافة البريطانية". وما تفعله مؤلفة هذا الكتاب هو بالدقة "عكس ذلك تماما إذ تحاول تقديم البراهين على "الحضور الشامل والمتعدد الأشكال لنفوذ المستعمرات على الثقافة الخاصة بالمركز الاستعماري". وهذا ما تبرهن عليه من خلال الدراسات الثقافية وما بعد الاستعمارية.

المؤلفة في سطور

تعمل انطوانيت بورتون أستاذة للتاريخ في جامعة الينوا الأميركية. وهي متخصصة بتاريخ الإمبراطورية البريطانية ، وخاصة من حيث دور ومكانة المرأة فيها. كانت قد حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو. من مؤلفاتها: "بعد المنعطف الإمبريالي: التفكير عبر الأمّة ومن خلالها".

الكتاب: إمبراطورية

موضع تساؤل

تأليف: انطوانيت بورتون

الناشر: جامعة ديوك 2011

الصفحات: 416 صفحة

القطع: المتوسط

Empire in question

Antoinette Burton

Duke University Press- 2011

416 p.