يلامس الكتاب، أكثر الظواهر شيوعا في المجتمع المصري السابق لسقوط نظام مبارك، إذ تعرض المؤلفة دلال البزري مجموعة تفاصيل مهمة بهذا الخصوص، فمن الحجاب والنقاب إلى العلاقة بين النساء والرجال إلى الحالة الدينية التي تتكوكب حولها الأسئلة المستفزة، وصولا إلى المثقف ودوره في تحمل المسؤولية. وتشير الكاتبة في (مصر الصور) إلى بداية حياتها في القاهرة، التي أمضت فيها زهاء 10 سنوات. هي التي عرفتها قبل أن تزورها، عندما كانت تعيش مع أهلها في مدينة الدار البيضاء، بين أواسط الخمسينات ونهايتها من القرن الفائت. وتذكر من تلك الفترة أمرين حصلا معها ولم تمحوهما ذاكرتها : الفريق الرياضي المصري للمصارعة الحرة الذي حضر إلى المغرب، سطوع نجم جمال عبد الناصر وافتتانها بشخصيته.
ولا تخفي البزري شعورها بالخيبة العامرة، التي بدلت من انطباعاتها الطوباوية عن مصر، عندما اضطرتها الظروف العائلية، إلى الانتقال من لبنان إلى القاهرة، هربا من الحرب أوائل التسعينات من القرن الفائت. إذ كانت بلادا سعيدة، لا تعوز أهلها الشفافية ولا الأخلاق. وكذا كانت الحياة تكمل دورتها " من دون فتاوى ولا دعاة ولا وعاظ يحتلون صدارة التثقيف الجماهيري ...".
وتستعرض المؤلفة التناقض بين الصور، التي يخرج بها الحاضر وتلك التي يضمرها الماضي، فيكشف عن حجم التغيير الذي أصابت لوثته حياة المصري اليومية. وهذا ما تتيح أفلام الأبيض والأسود العائدة إلى نصف قرن مضى، معاينته بدقة، فهي تكشف عن (شوارع وجادات رحبة وبيوت وأشجار وسكينة وسيارات قليلة وسلام وهواء يبدو نقبا، لم يتلون بالتراب الصحراوي الممتزج بلون التلوث الرمادي ..أي كل ما تفتقده القاهرة اليوم). ثم تصف حب الفنانين لفنهم، وابتعادهم عن كل ما يسم فناني اليوم من افتعال وطمع بأجور خيالية. وترى الكاتبة أن السينما والحياة في مصر تكادان أن تكونا شيئا واحدا، وهذا ما تفضحه طبيعة الحياة نفسها، حيث إن المصريين غالبا ما يجدون نظراء لأبطال السينما، وحتى للممثلين الثانويين في الحياة يتماهون معهم، يقلدون حركاتهم وتعبيراتهم ويتبنون أناقتهم.
وتكشف البزري في"النقاب والحصانة"، عن حجم الانقلاب الذي بدل حياة المصريين رجالا ونساء، موضحة انه صحيح أن المصريات كن منقبات في أوائل القرن الماضي، لكنهن ما لبسن النقاب حتى خلعنه في ثلاثيناته وأربعيناته ثم أتين على الحجاب في خمسيناته وستيناته. وبعد ذلك ظهرن سافرات يرتدين البنطلون والتنورة والأكمام القصيرة ليعود الحجاب إلى التفشي بدءا من السبعينات وحتى الآن. وتلتقي الباحثة مع التحليلات، التي تعيد انتشار الحجاب والنقاب إلى اشتداد المواجهة بين العرب والغرب. وتستغرق البزري في سرد كم من التفاصيل، عن حياة المنقبات والمحجبات وتمعن في قراءة هذه الظاهرة وحيثياتها. وتستوقف القارئ ظروف تجربتها عندما اضطرت إلى التحجب ليتاح لها الدخول إلى الأزهر مع مجموعة من المنقبات والمحجبات، قبيل الخروج في مظاهرة دعما لانتفاضة الأقصى.
القاهرة كما تراها الكاتبة" ليست مدينة حب ولذة . إنها مدينة هياج وتحرش وغربة بين الجنسين". فالحب يفقد قيمته ويكف عن لعب دور المحرض على خلق بيئة عاطفية، بعيدا عن الكبت الجنسي والعاطفي ودغدغة الغرائز. فنجد المؤلفة تأخذ على الإسلاميين موقفهم المتشدد من الحب، حيث انه عمل مرذول وهم لذلك يناضلون من أجل الفصل بين الجنسين..فيما الليبراليون المعادون للحالة الدينية ليسوا إلا هذا المزيج "من التقليدية الضمنية والانفلات الأخلاقي التام...). وترى البزري انه هكذا يغدو الحب وسط هذه اللعبة طميا موحلا، لا تبرق فيه عين أو يخفق قلب.
ما تعمل دلال البزري على تدوينه يخرج في حيزه الأكبر عما تفترضه الانطباعات الشخصية وتقنيات السرد اللتين تستقيم الكتابة في تواترهما، وهذا ما يبرز في التعليقات العابرة عن الدين وفقه الطقوس وتمظهرتها في يوميات الناس، عن علاقة النساء بالرجال وعن المثقفين المصريين ودورهم.
قراءات
يصف الكتاب، جوانب مختلفة من أنماط الحياة في مصر، طبقا لما عاشته وعايشته مؤلفته التي تهدي أبحاثه إلى أرواح شهداء 25 يناير. ويتمثل مضمون الكتاب في مجموعة قصص ومشاهدات، توظف فيها المؤلفة، تجربتها وما عرفته من خبرات، فتنقلها إلى القارئ بتفصيلاتها، دون أن يفوتها ما يوفره اختصاصها بعلم الاجتماع من قراءات سسيولوجية وانتربولوجية، لكن من غير استغراق في النظريات والتحليلات. وهكذا نجد انه تحفظ النصوص ضمنه، قدرا من الانسياب العفوي الذي يتوسل لغة سردية وانطباعية، تمتاز بالرشاقة والتشويق.
المؤلفة في سطور
دلال البزري، باحثة وكاتبة لبنانية. عملت في عدة مؤسسات بحثية وإعلامية. وقدمت مجموعة من الدراسات والمقالات المتخصصة.
الكتاب: مصر التي
في خاطري
تأليف: دلال البزري
الناشر: دار الساقي
بيروت 2011
الصفحات: 191 صفحة
القطع: المتوسط