تستعرض مؤلفة الكتاب، أمل الجمل، وبشكل موسع، مراحل وطبيعة التجربة السينمائية المشتركة الثانية في مسيرة" يوسف شاهين، والتي تحققت في مصر، حيث بدأها قبل قليل من إعلان المسؤولين عن (كوبرو فيلم) إغلاقَ أبواب هذه الشركة في أواخر الستينات من القرن الفائت، جراء فشلها في مجال الإنتاج السينمائي العالمي المشترك. ففي يوليو عام 1966 كان شاهين العائد من غربته في كل من بيروت والمغرب وإسبانيا، يفكِّر في إخراج أفلام سينمائية عن طريق التعاون المشترك من خلال (كوبرو فيلم). إذ كان انتهى للتو من خوض أولى تجاربه في مجال الإنتاج المشترك بفيلم مغامرات يحمل عنوان (رمال من ذهب). وهو من إنتاج إسباني مغربي مشترك. وتشرح المؤلفة كيف دخل يوسف شاهين ميدان الإنتاج السينمائي المشترك، عندما تم تضييق الخناق عليه مثل غيره من الفنانين، في النصف الأوَّل من ستينات القرن العشرين في مصر، فترك البلد بحثاً عن أرض أخرى يواصل فيها مسيرته السينمائية وليحقق فيها أحلامه. حينئذ حطَّ رحاله في بيروت، وهناك أخرج فيلم (بياع الخواتم) بإنتاج لبناني. ثمَّ جاءته فرصة إخراج (رمال من ذهب). وتوالت التجارب والفرص بعد ذلك، ثمَّ لم يلبث أن عثر في الجزائر على ضالته، فأخرج بمساعدتها ثلاثة أفلام. وعلى مدار تسع سنوات، لم يقدم شاهين سوى هذه الأفلام الثلاثة المشتركة مع الجزائر، أي بمعدل فيلم كل ثلاث سنوات بعد أن كان يقدم في فترات سابقة فيلماً كل عام. وفي أعقاب الانتهاء من فيلمه المشترك الثالث مع الجزائر (إسكندرية ليه؟) دب الشقاق والخلاف بين طرفي الشراكة بسبب الرؤية السياسية للشريط السينمائي، المواكبة لمعاهدة السلام واتفاقية (كامب ديفيد) مع إسرائيل، والتي تحفَّظ عليها، بل ورفضها التلفزيون الجزائري المشارك في الإنتاج..
وتشير الجمل الى انه جاء نجاح شاهين متوازياً مع عدة أمور، أوَّلها انضمام مصر إلى منظمة الدول الناطقة بالفرنسية عام 1983، ووصول العلاقات المصرية الفرنسية إلى ذروتها. ثانيها تأسيس صندوق دعم توزيع أفلام الجنوب في فرنسا. والأمر الثالث أنه كان يمثل مصر في اللجنة الفرانكفونية العليا التي يترأسها رئيس فرنسا، ورابعاً والأهم أنَّ يوسف شاهين نفسه كان أحد أعضاء اللجنة التي تقوم بتوزيع هذه المنح والدعم على دول الجنوب.
وتلفت الجمل إلى أنَّ تأثير يوسف شاهين على المشهد السينمائي المصري والعربي امتدَّ بتوسع، فغيَّر بتواجده خريطة وملامح ذلك المشهد، وقلبه رأساً على عقب شكلاً ومضموناً. فيوسف شاهين المشاكس في رأي البعض أو المنفلت بتعبير آخرين، كان كلما سعى إلى نسف وتدمير الأفكار الزائفة، وإلى تعرية الازدواجية الراسخة في أعماق المجتمع، كلما قدَّم أعمالاً سينمائية تغترف من سيرته الذاتية بشكل واضح جريء لا يحتمل الالتباس. كما تحرَّر شاهين في أعماله من السلطات التقليدية، سواء كانت سياسية أو تجارية، أو سلطة التقاليد أو العادات أو الأخلاق، وحتى من قيود الإنتاج المشترك، فظلت هناك سلطة أخرى كامنة في أعماقه جعلته في بعض الأحيان يغترب عن ذاته وعن فنه الحقيقي، وهي سلطة أو بالأحرى عقدة الاشتراك في المهرجانات الدولية والحلم بالحصول على جوائزها. وربما لذلك أيضاً جاء (وداعاً بونابرت) متضمناً تلك الأفكار الاستفزازية. وهو أمر لا تلومه المؤلفة عليه:( فلكل جواد كبوة طالما هو الذي أمتعنا بعدد من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية والعربية). وتبين انه لو تأملنا ملامح أساسية من شخصية يوسف شاهين فإنَّنا لن نندهش من قدرته على خوض مجال الإنتاج المشترك بنجاح لافت: نجاح لم يحققه الآخرون، سواء الأفراد أو المؤسسات الخاصة أو العامة. ولكن لنا أن نتساءل: عندما قرر يوسف شاهين البحث عن منتج خارج حدود بلده ثمَّ خارج حدود وطنه، هل كان قراه هو البحث عن حلول فردية؟ وتجيب الجمل: ربَّما. ولكن ما العيب في هذا؟! ألم ينتج يوسف شاهين إلى جانب أفلامه عدداً آخر من الشرائط الفيلمية غير الربحية لبعض من شباب المخرجين؟ ألم يختر لهم سينما تعبر بصدق عن قضايا الواقع وهموم الناس وتتمتع بمستوى فني وتقني متطور؟!.
سيرة حافلة
يعنى الكتاب بتوضيح حقيقة جوهرية بشأن مضمون عطاء المخرج الراحل يوسف شاهين، ومسيرة حياته وإبداعه. وترى المؤلفة أنَّ يوسف شاهين، لم يكن أوَّل من خاض تجربة الإنتاج المشترك في السينما المصرية، لكنَّه ومع شركته، تحوَّل إلى صاحب أشهر وأهم التجارب السينمائية المصرية المشتركة، سواء مع الدول العربية أو الأجنبية (خصوصاً فرنسا). وقدَّم تجربته السينمائية الأولى (بابا أمين) عام 1950. وأما استهلال تجاربه المشتركة فجاءت خارج مصر، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من بداية الإنتاج المشترك في السينما المصرية، سنة 1943.
المؤلف في سطور
امل الجمل، كاتبة وناقدة مصرية من كتبها (بعيون امرأة) وصدر عام 2007 وهو مجموعة دراسات ومقالات نقدية في السينما والمسرح والفن التشكيلي. وفي 2008 صدر لها (فيلموجرافيا) ويتضمن تفريغاً كاملاً لتترات الشريط السينمائي.
الكتاب: يوسف شاهين
- دراسة
تأليف: أمل الجمل
الناشر: وزارة الثقافة
السورية-
دمشق 2011
الصفحات: 248
صفحة
القطع: الكبير