يمضي المؤرخ البريطاني غراهام روب فترتين كل سنة، ومنذ 15 سنة، في فرنسا. وقد تعوّد أن يجوبها بواسطة دراجة هوائية قطع بواسطتها ما لا يقل عن عشرين ألف كيلومتر "كما يشير العداد". ومن خلال مشاهداته الشخصية وعلى قاعدة معارفه التاريخية الواسعة، يقدّم "تاريخ غير متعجّل لفرنسا"، كما جاء في عنوان كتابه.
لقد أراد هذا المؤرخ، كما يقول، أن يراقب حياة الفرنسيين عن قرب وبـ"هدوء" متبعاً بذلك تلك الدروب والمسالك التي كان يأخذها القدامى للتنقل واقتفاء الطرق التجارية الغالية من بلاد الغال- الرومانية، أو طرق الحجاج. باختصار "طرق الوديان ودروب القمم التي كانت تزخر سابقا بمربي النحل وبالمجموعات البشرية المهاجرة".
ويكتشف القارئ مثلا أنه في منطقة "البيرينيه"، كانت تجربة "غوست" الصغيرة قد عاشت لفترة قرون كاملة كجمهورية "مستقلة ذاتيا" ببيوتها الاثني عشر المصنوعة من "الغرانيت". وأنه في مطلع عقد الأربعينات في القرن الثامن عشر جرت محاولة إعداد أول خارطة حقيقية لفرنسا حيث كان عالم الفلك "جاك كاسيني" قد أنشأ فريقا من "مسّاحين شباب" تدربوا على علم إعداد الخرائط. وقد حددت خارطة كاسيني أبعاد المنظومة الشمسية، وكانت أكثر دقّة من الخرائط الفرنسية الأخرى حيث جرى تحديد عدد من النقاط البيضاء للدلالة على المناطق التي "لم يتم سبر أسرارها". ومن تلك المناطق منطقة "ميزينك" التي يقول المؤلف إن ذلك الجزء من فرنسا كان "لا يزال معزولا وخطرا". هذا إلى حد أن أحد الجغرافيين كان قد نصح في القرن التاسع عشر بزيارة المنطقة المذكورة بواسطة "منطاد"، ذلك شريطة أن يبقى قائده "على بعد لا يقع في مرمى البنادق".
ويشير المؤلف إلى أنه في عام 1845 قام المدعو "موراي" في دليله السياحي الموجّه للسائحين ولهواة الاستكشاف الجيولوجي في بعض الأرياف الفرنسية بحثا عن "مواقع نائية وفريدة" أنهم قد لا يواجهون استقبالا حسنا من قبل السكان. وينقل عنه المؤلف قوله: "لا يوجد عمليا في دروب تلك المناطق نزل للنوم ومن الصعب قطعها في يوم واحد، وناس تلك المنطقة خشنون ولا يحسنون استقبال الغرباء". وتتم الإشارة إلى أن أول دليل جرى طبعه في فرنسا وكان موجها لـ"النوع الجديد من السائحين المتنورين" كان في عام 1792، أي بعد ثلاث سنوات من قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. مؤلف ذلك الدليل بمساعدة فريق من مساعديه هو المدعو "جوزيف لافالي" وكان قد حدد أحد أهدافه في أن يبيّن لـ"الباريسيين الصلفين" أن المحافظات الفرنسية الأخرى فيها أيضا "ما يستحق الاهتمام".
ويحتوي هذا الكتاب "تأريخا" للفنادق "النزول" التي كانت تتم إقامتها بجوار الطرق الكبرى. ويؤكد المؤلف القول: "لم يكن المرء يجد غالبا سوى مزرعة تعوّد مالكها أن يطلب منه المسافرون والمارّة استضافتهم فما كان منه سوى أن نصب أسرّة في أحد الأركان". ويشرح أنه اعتبارا من مطلع القرن التاسع عشر كانت أغلبية تلك النزول ترفض تقديم الغذاء لنزلائها. أما السائحون، وخاصة الفرنسيين منهم، الذين كان تهدوّدهم يدفعهم إلى ولوج الدروب المؤدية إلى مناطق بعيدة فقد كانوا يشتكون كثيرا من جشع مضيفيهم ومحاولتهم الاستفادة منهم.
يشير المؤلف إلى أن "متطلبات" الكثير من السائحين الأجانب تعلّقت بالخدمات الضرورية، الأمر الذي ساهم في تحويل "النزول" العشوائية إلى "فنادق" حقيقية اعتبرها الفرنسيون "فائدة للروح" بينما لم ير الأجانب أنها تستجيب فعليا إلى ما كانوا يطلبونه.
وينقل المؤلف عن أحد العاملين في "فندق" بمدينة "نيم" بجنوب فرنسا عام 1763 ما مفاده أن "صاحبة الفندق قامت ببنائه من أجل المسافرين الانكليز، لكنها أسفت فيما بعد كون أن جميع الفرنسيين الذين كانوا يرتادون المكان لم يكونوا يستخدمون الطاولة للطعام بل يتركون البقايا على الأرض مما كان يتوجب التنظيف ثلاث مرات في اليوم".
إنها طريقة "جديدة" في كتابة التاريخ يقدمها المؤرخ البريطاني، مؤلف هذا الكتاب، عبر سرد سلسلة من الروايات، الشفهية أحيانا، ومن اليوميات التي كتبها المسافرون والرحّالة ولكن أيضا بالاعتماد على كمٍ كبيرٍ من الوثائق.
المؤلف في سطور
غراهام روب، مؤرخ بريطاني شهير جعل من تاريخ فرنسا مركز اهتمامه الرئيسي. يعمل أستاذا في جامعة اكسفورد، وأخصائيا شهيرا برامبو وبودلير. من مؤلفاته: "بودلير، قارئ لبلزاك" و"شعر بودلير والشعر الفرنسي" و"سيرة حياة فكتور هوغو" و"سيرة حياة رامبو" .
الكتاب: تاريخ غير متعجّل
لفرنسا
تأليف: غراهام روب
الناشر: فلاماريون
باريس 2011
الصفحات: 576 صفحة
القطع: المتوسط
Une histoire buissonnière de la France
Graham Robb
Flammarion - Paris- 2011
576 p.