اللغة اللاتينية هي في عداد "اللغات الميتة" في الغرب اليوم، على عكس اللغات التي تعود أصولها لها، وخاصة الانكليزية والفرنسية والإيطالية والاسبانية وغيرها. لكن اللغة اللاتينية "ليست ميتة" بالنسبة لأحد أكبر الأخصائيين الفرنسيين الذين لا يزالون على قيد الحياة بالعالمين القديمين، اليوناني واللاتيني. والمقصود هو "فلورنس دوبون" الأستاذة في جامعتي باريس السابعة والسوربون، التي تقدم كتابا تحت عنوان: "روما، مدينة دون أصل".لكن لماذا العودة إلى روما وليس إلى أثينا، عاصمة الإغريق القدماء ومهد الفلسفة الأوروبية العالمية؟ السبب الذي تقدمه المؤلفة بسيط ويكمن في القول إن أثينا كانت مدينة "مغلقة على ذاتها" وغير منفتحة على الخارج. ولم يكن الأثينيون يقبلون أبداً "منح الجنسية" لأجانب يقدمون إلى مدينتهم من خارجها. ذلك باسم المحافظة على صفاء العرق "الآثيني".أما روما فقد كانت تمثل "النموذج النقيض" إلى حد كبير. ويتم تقديم العديد من الأمثلة على أن روما القديمة لم تكن تتردد في منح الجنسية للأجانب وحتى كان "الأعداء الذين تهزمهم" يستطيعون الحصول على الانتماء إليها. كما كانت تفعل الأمر نفسه بالنسبة للعبيد الذين يتم "عتقهم" بحيث كان يمكنهم أن ينخرطوا في جيش الإمبراطورية ويساهموا بالدفاع عنها، وقد وصل عديد منهم إلى الانتماء لشرائح "النخبة" الرومانية.المجتمع الروماني القديم كما يتم تقديمه إذاً كان "مجتمعا مفتوحا"، الأمر الذي يجد صداه في العديد من المجتمعات الأوروبية المعاصرة اليوم "ذات الثقافات المتعددة". بهذا المعنى كان المفهوم الروماني القديم لـ"المواطنة" بمثابة مرجع للمفهوم السائد اليوم. وتشرح المؤلفة في هذا السياق أن المواطنة الرومانية كانت تقوم على أساس "قانوني" بشكل أساسي وليس على مفهوم عرقي أو ثقافي أو اثني. بل وتشرح أن المفهوم "القانوني" للمواطنة الرومانية كان يحتوي في أحد مكوناته العديدة الإشارة إلى أن كل روماني هو "قادم من مكان آخر" بهذه الطريقة أو تلك.
ومن خلال دراسة "الانيادة" تبيّن مؤلفة هذا الكتاب "ضخامة" الأخطاء التاريخية التي جرى استخراجها من تلك الملحمة الشعرية الوطنية الكبرى للنموذج الروماني القديم. وتؤكد أن دراسة النصوص الرومانية الأساسية تسمح بالقول إن الرومانيين لم يكونوا يقدمون أنفسهم أبدا على أنهم ينتمون إلى أصل واحد مهما كان. بل تبيّن تلك النصوص بوضوح أن "رومولوس" مؤسس روما حسب الروايات التاريخية كان يقبل تحت "الكابيتول"، رمز روما، كل من يريدون الانضواء تحت رايته وحتى العبيد "الهاربين". تلك كانت هي "بداية" روما و"نقطة انطلاقها" بحيث إنه يمكن تسميتها بـ"مدينة دون أصل"، كما جاء في عنوان الكتاب.
من الأفكار التي تؤكد عليها المؤلفة قولها إن مقولة "الهوية الوطنية"، وحتى "الأمة الرومانية"، لم تكن تعني للرومانيين أنفسهم الشيء الكثير. بالتالي ترى أن كل ما قيل وتكرر عن "الانيادة" إنما هي "شعر وطني" يعود بالأحرى إلى "آراء متأخرة" جرى "إسقاطها" على الماضي الروماني القديم، وبدقة أكثر ترى أن أصحاب النظريات القومية التي برزت في القرن التاسع عشر بأوروبا "أسبغوا" قراءتهم الخاصة على الحقبة القديمة.إن فهم "الرومانيين" يتطلب بالضرورة، كما تؤكّد "فلورنس دوبون"، فهم "آلية عمل مخيلتهم". وهذه المخيلة، بناءً على قراءة أشعار فرجيل، لا تحتوي ما يدل على ربط تأسيس روما بأي أصل محدد. تلك الأشعار تحتوي على "12 نشيدا" حول مؤسس مدينة "لوفينيوم" التي اختفت، لكنها بقيت قائمة في المخيلة الرومانية. موقع تلك المدينة كان على بعد حوالي 20 كيلومترا من روما "الرومانية".
وبشكل عام تؤكد المؤلفة أنه لا يوجد أبدا في القانون الروماني القديم ما يتناظر تماما مع المفهوم السائد اليوم لـ"الأصل". بل هناك ما يتناظر مع مفهوم للزمان والمكان مختلف عمّا هو قائم اليوم.وبالمحصلة تنظر مؤلفة هذا الكتاب إلى "الانيادة" على أنها ليست "ملحمة وطنية"، بالمعنى الذي يتردد اليوم على المدافعين عن مفهوم "الهوية الوطنية"، ولكن بالأحرى "قصائد شعرية داعية للتمازج ولنفي الانغلاق عن الأصول".
المؤلفة في سطور
تعمل فلورنس دوبون، أستاذة في جامعة باريس السابعة، وهي أحد أعضاء "المعهد الدولي للفلسفة". أخصائية بالعالم اللاتيني. من مؤلفاتها "سيرة حياة شيشرون" و"سيرة حياة تاسين" و"محبّة روما".
الكتاب: روما، مدينة
دون أصل
تأليف: فلورنس دوبون
الناشر: غاليمار
باريس 2011
الصفحات: 202 صفحة
القطع : المتوسط
Rome, la ville sans origine
Florence Dupont
Gallimard - Paris- 2011
202 p.