عرف العالم منعطفا كبيرا خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر. كانت الثورة الصناعية الكبرى التي ظهرت ملامحها جلية منذ القرن السابع عشر قد بدأت تعطي ثمارها، حيث فتحت التكنولوجيات الجديدة إمكانيات كثيرة لـ"العيش بطريقة أخرى لكن الرأسمالية السائدة التي لم يكن يحكمها قانون بمقدار سيطرة قانون الكسب وزيادته أدت إلى تعاظم الهوّة بين الأغنياء والفقراء في البلدان الصناعية.
في مثل ذلك الإطار تعاظمت الصراعات الإيديولوجية وولّدت موجات من العنف. وبرزت ظاهرة "الفوضويين" و"الحالمين" و"العاملين في الظل". تلك الأجواء المهددة بالفوضى هي التي يخصها المؤرخ اليكس بيتروورت بكتابه الذي يحمل عنوان "العالم كما لم يوجد أبداً".إن المؤلف يعود إلى سنوات السبعينات في القرن التاسع عشر ليبحث في جذور ظاهرة الفوضى ويقوم بالمقارنة بينها وبين "النسخة" الأخرى للفوضى التي عرفها مطلع القرن العشرين. ذلك عبر شرح مفصّل للطريقة التي حاولت على أساسها مجموعات في أوروبا وروسيا والولايات المتحدة الأميركية "تحقيق أحلامها بعالم دون حكومات وحيث يعيش الأفراد بحالة من الانسجام والتفتح والإشعاع"، أي تحقيق "العالم كما لم يوجد أبداً"، كما يقول عنوان الكتاب.ومن الواضح في تحليلات هذا الكتاب أن المؤلف-المؤرخ يبدي الكثير من التعاطف "الوجداني" مع أولئك "الثوريين المثاليين"، كما يسمي "أبطاله". بل و"الأكثر مثالية" ممن يؤمنون بإمكانية "قيام عالم أفضل"، حيث يختفي فيه العنف بكل أشكاله و"يبرز من الإنسانية وجهها الطيّب". مقابل أولئك "الحالمين" بعالم أفضل وأجمل بعيدا عن كل الأطماع والصراعات، يتعرّض المؤلف للنشاطات التي قام جواسيس ومخبرون لحساب جميع الحكومات في أوروبا وروسيا والولايات المتحدة. أولئك الجواسيس والمخبرون لم يكتفوا بتقديم المعلومات للحكومات التي جنّدتهم والتي قادت إلى موجات من الاعتقالات وإلى صدور أحكام قاسية. ولكنهم أشاعوا كذلك أجواءً من الشكوك كان منها أن دمّرت العديد من المجموعات "الثورية" من داخلها.
ومن الأحداث التي يعود لها المؤلف قصة ذلك الشاب الفرنسي المدعو "رافاشول"، ابن الحادية والثلاثين عام 1891 الذي وصل به حقده على أثرياء عصره إلى درجة أنه نبش قبر امرأة غنية للحصول على جواهرها، لكن دون أن يفوز بشيء فما كان منه سوى أن اغتال بعد شهر عجوزا من أثرياء بلدته. ثم حصل، برفقة فوضويين اثنين آخرين، على "360" عبوة من الديناميت و"3" كيلوغرامات من البارود. وكان هدفهم الأول أحد بيوت الأثرياء الباريسيين. ثم حطمت "قنبلتهم" الثانية زجاج منزل أحد القضاة كان قد تعرّض في العام الفائت للمتظاهرين بمناسبة عيد العمال. تباهى "رافاشول" أمام نادل في أحد المقاهي أنه هو الذي قام بالعمل فوشى به وتعقبته الشرطة وجرحته وألقت القبض عليه.
أحد رفاق "رافاشول" أراد الثأر من نادل المقهى، فما كان منه سوى أن قصد مكان عمله و"قنبلة يدوية" في الحقبة الصغيرة التي كان يحملها على ظهره. وبعد أن دفع "فاتورته" وضع الحقيبة جانبا وخرج. أدّى الانفجار إلى مقتل صاحب المقهى وأحد الزبائن. أم النادل، فلم يصب بأذى. وانتهى "رافاشول" على المقصلة. البعض أطلقوا عليه لقب "المسيح العنيف". أما رفيقه الذي أراد الثأر له، والمدعو "مونييه" فلقد جرى اعتقاله بمحطة قطار فكتوريا في لندن عام 1894 وحيث طلب اللجوء السياسي إلى بريطانيا. ما يشير إليه المؤلف هو أن لندن كانت أحد "أماكن اللجوء" بالنسبة لإرهابيي القرن التاسع عشر.
هذا الكتاب حافل بقصص أولئك الذين تبنّوا العنف من أجل إشادة "عالم أفضل" وكذلك أولئك "العملاء السريين" الذين تعقبوهم. أما القاسم المشترك بين "الثوريين الحالمين" فهو أنهم انطلقوا من مشاهدة "العالم المضطرب والناقص" الذي كانوا يعيشون فيه، وواقع السلطات القائمة التي أرادوا الإطاحة بها". بهذا المعنى شكّلوا تحديا حقيقيا للنظام السائد.
بكل الحالات يرى المؤلف أن الفوضى التي قادت إلى العنف بأوروبا في نهايات القرن التاسع عشر شكلت "الوجه الداخلي القائم" للسياسة رغم "الأحلام الجميلة" التي رسمتها. وتاريخ عدة عشرات من الثوريين الحالمين ومنظومات أساليب مكافحتهم ومواصفات العالم الذي قاد لبروزهم في سياق تاريخي معين.
الشي ء وضده
السمة التي يتم التأكيد عليها في التحليلات المقدّمة بالكتاب هو أنه منذ اللحظة التي قرر فيها أولئك "الثوريون الحالمون" تنظيم قواهم لـ"الدفاع عن النفس" انتهوا بسرعة إلى نوع من الجماعات التي تتصرف على شاكلة السلطات التي كانوا يقارعونها. وبهذا المعنى يتحدث المؤلف عما يسميه "معضلة الثوريين" والمتمثلة في أن "يظلّوا في مواقعهم وأفكارهم المتسامية وإنما العاجزة، أو أن ينتهوا قمعيين على غرار الممارسات التي ربما ثاروا ضدها".
المؤلف في سطور
اليكس بيتروورث ، مؤرخ وكاتب بريطاني من مواليد عام 1929. سبق له وفاز بجائزة التاريخ للجيل الجديد من المؤرخين. يعيش في اكسفورد.
الكتاب: العالم كما لم
يوجد أبداً
تأليف: اليكس بيتروورث
الناشر: فنتاج
لندن 2011
الصفحات: 544 صفحة
القطع: المتوسط
The world that never was
Alex Butterworth
Vintage ذ London- 2011
544 p.