اشتهر الكاتب والمؤرخ الفرنسي ايمانويل تود أنه صاحب العديد من الأطروحات السياسية التي أثبتت الأيام التالية صحتها بما فيها توقع انهيار الاتحاد السوفييتي منذ أواسط عقد السبعينات الماضي. ولكنه مهتم أيضا بالتاريخ حيث أمضى سنوات طويلة بالبحث عن أصول البنى العائلية في التاريخ. وبعد أن قدّم عام 1983 كتابا تحت عنوان "اختراع فرنسا" يعود من جديد للحديث عن نفس الموضوع في كتاب يحمل عنوان: "أصول المنظومات الأسرية".
إن المؤلف يبحث بالتحديد في هذا الكتاب المنظومات العائلية في المنطقة المعروفة بـ"اوراسيا" أي أوروبا وآسيا. ويشير في المقدمة أنه بدأ بكتابة هذا العمل منذ عام 2003 وبعد أربعين سنة من البحث في أصول "البنية العائلية". ويشرح أنه "وقع" ذات مرّة على المقدمة التي كتبها المؤرخ الشهير للتاريخ المصري "جاك بيرين" في كتابه عن الحق الخاص في "الإمبراطورية القديمة" أي عند الأسرة المصرية الأكثر قدما.
الأطروحة التي يقدمها "تود" مفادها أن ما يسميه "الأسرة النووية"، أي التي تتألف عامة من الأب والأم وطفلين ليست نتيجة عملية تطور "انحداري" طويل للأسرة "المركّبة" أو للأسرة الأبوية "البطريركية"، كما شاعت نظريات عديدة في القرن التاسع عشر. ولكنها، أي "الأسرة النووية" كانت على العكس هي الصيغة الأولى والكونية ــ يونيفرسال ـــ للأسرة منذ الأزمنة القديمة، بل والأكثر قدما، لمرحلة الصيد والقطف التي عرفتها المجتمعات البدائية الأولى.
أما الأشكال الأكثر تعقيدا للأسرة، خاصة على صعيد تعدد أفرادها، فقد ظهرت أولا في أواسط الصين. لكن نموذج الأسرة تطوّر بأشكال مختلفة نتيجة فعل عوامل متعددة ذات طبيعة إيديولوجية واقتصادية. وكان لتطوّر الرأسمالية وللموقف الخاص حيال ظاهرة الهجرة والمهاجرين ولتعاظم النزاعات الفردية أثرا كبيرا في بقاء الأسرة الأوروبية عامة قريبة من النموذج القديم، أي "الأسرة النووية".
هذا التنوع في نماذج "منظومات الأسرة" لا يعيده المؤلف للمسار التاريخي ولا للمناخ ولا لنمط الإنتاج ولا لمستوى التنمية، ولكن بالأحرى إلى نوع من "النزعة المحافظة" السائدة في المناطق المحيطية. وأوروبا هي على "أطراف" المنطقة الأورو-آسيوية ولذلك حافظت، برأي المؤلف، على "الأسرة النووية" التي كانت سائدة لدى الصيادين وقاطفي الثمار في الأزمنة القديمة. ومن خلال العلاقة بين "الأسر النووية" وامتدادها "أفقيا" لتشمل الأخوة والأخوات والأقارب بالزواج "بدأ التاريخ الإنساني" عبر تطوير مخترعات جديدة في مجالات الزراعة والكتابة وبناء المدن ثم الدول، أي باختصار "الحضارة".
أما الغرب الذي لم يخترع الزراعة ولا المدينة ولا الكتابة ولا الدولة فقد تلقى جميع هذه التجديدات عبر الانتشار وحافظ على "دينامية الأسرة النووية". واستطاع من خلال الجمع بين سبل التحديث وبين "دينامية أهل الكهوف" أن ينطلق ويتقدم، وبهذا المعنى لا يرى المؤلف أن هناك "أسرارا" بالنسبة لنهوض الغرب "لكن الأسرار تخص بالأحرى تلك الشعوب والمجتمعات "المركزية" التي اخترعت كل شيء لكنها وجدت نفسها مشلولة بسبب منظومات الأسرة فيها، حسب التحليلات المقدمة.
ويرى المؤلف أن أوروبا "مدينة للشرق الأوسط بكل شيء" من حيث امتلاكها لسبل تقدمها. لكن العائق يحدده في انغلاق منظومة الأسرة إلى درجة الزواج بين الأقارب. كذلك لا يتردد المؤلف في التأكيد أن مسألة "الزواج بين الأقارب من نفس العائلة" تعود بالتحديد إلى الديمقراطية التي أسستها ديمقراطية أثينا في القرن الخامس إذ ليس هناك ما يدل عليها في التاريخ الأكثر قدما لمنطقة بلاد ما بين النهرين والشرق الأوسط.
إن مؤلف هذا الكتاب يجعل من البنى الأسرية ومنظوماتها المفتاح الأساسي لفهم المنظومات السياسية نفسها. هكذا يرى مثلا أن "الأسرة الأبوية المعقدة" هي التي تفسر بدرجة كبيرة انتشار أنظمة شمولية توتاليتارية- وخاصة شيوعية خلال القرن العشرين في الصين وروسيا وغيرهما.
هذا بينما أن الأسرة النووية هي في أصل المنظومات التي تعطي الأولوية لمبادئ المساواة والحرية.
15 نموذجا
ما يؤكّد عليه المؤلف هو أنه هناك "نماذج أسرية" متعددة في المجال الأوروبي ـ الآسيوي. وقد وصل إلى تحديد 15 نموذجا أسريا، مع الإشارة إلى وجود "نماذج" تحظى بـ"السيطرة" على الصعيد العددي. هكذا يوجد على طرفي "اوراسيا"، ويقصد المؤلف، ألمانيا واليابان ، نموذج "الأسرة القائمة على صفاء العرق" نفسه حيث يتم اختيار ولد واحد كـ"وريث".
المؤلف في سطور
درس ايمانويل تود في كلية العلوم السياسية بجامعة كمبردج وحصل منها على شهادة الدكتوراه في التاريخ. من مؤلفاته: "السقوط النهائي" الذي ارتقب فيه انهيار الاتحاد السوفييتي منذ عام 1976، و"اختراع أوروبا»
الكتاب: أصل منظومات
الأسرة
تأليف: ايمانويل تود
الناشر: غاليمار
باريس 2011
الصفحات: 756 صفحة
القطع : المتوسط
Lصorigine des systèmes familiaux
Emmanuel Todd
Gallimard - Paris- 2011
756 p .