كلودين مونتي، هي إحدى السيدات الفرنسيات اللواتي ناضلن إلى جانب "سيمون دو بوفوار" من أجل الدفاع عن حقوق المرأة في فرنسا. وكانت قد قامت بتوقيع مختلف النداءات التي كانت "دوبوفوار" وراء أغلبيتها في ذلك المضمار.

واليوم وبعد 25 سنة من وفاة سيمون دو بوفوار صاحبة كتاب "الجنس الثاني" الشهير، تقدّم كلودين مونتي كتابا جديدا عن صديقتها السابقة التي كانت قد خصّتها بأكثر من دراسة، واختارت للعمل الجديد هذا العنوان "سيمون دو بوفوار والنساء اليوم".

تقوم المؤلفة بالتذكير أولا أنها عرفت سيمون دو بوفوار عام 1970. كان عمرها آنذاك 20 سنة، بينما كانت السيدة دوبوفوار في الثانية والستين من العمر. وفي هذا الكتاب تتوجّه المؤلفة إلى أحد أكثر الوجوه النسائية شهرة في العالم بالدفاع عن حقوق المرأة بنوع من "الرسائل" التي "تخبرها" فيها عمّا آلت إليه أوضاع المرأة في فرنسا والعالم.

ويشكل هذا الكتاب في أحد وجوهه عملية تأريخ للتطورات التي عرفتها قضية المرأة خلال العقود الأخيرة، وبالتحديد أكثر منذ رحيل السيدة دو بوفوار. يتم تقديم هذا المسار التاريخي عبر تعرّض المؤلفة لعدد من الحالات النسائية في أوروبا وإفريقيا والهند والولايات المتحدة الأميركية، ونساء يمثلن نماذج مختلفة تتراوح من الطبيبات وحتى المزارعات ومرورا بمديرات الشركات والدبلوماسيات والفنانات والعالمات وزوجات الصيادين والبائعات. وفي كل الحالات الهدف واحد لا يتغير وهو محاولة الكشف عمّا آلت إليه أوضاع المرأة بعد 60 سنة من صدور كتاب "الجنس الثاني".إن المؤلفة تتحدث عبر هذه النماذج ومساراتها الحياتية عن "صوت المرأة الغائب في عالمنا المتوحش" و"النموذج الاقتصادي الجديد للمرأة" و"المصالحة بين الرجال والنساء" و"نساء في قلب منظمة الأمم المتحدة" و"الجدران غير المرئية" و"من أجل تكريم اللواتي رحلن". هذه المسائل كلها تدل إلى درجة كبيرة على مجمل عناوين فصول هذا الكتاب.تجدر الإشارة أن عددا من "الرجال" الذين وقفوا دائما إلى جانب قضية المرأة، من أمثال ذلك الطبيب الأميركي أو ذلك الشاب الفرنسي الذي استلهم سلوكية حياته اليومية، كما استلهم تربية أطفاله من أفكار سيمون دو بوفوار. والإشارة في نفس السياق أنه لا يزال هناك "ورثة أوفياء" لإرث الدفاع عن قضية المرأة بحيث أنهم يقدمون النموذج الأمثل للعلاقات بين الجنسين والتي تقوم على أساس الاحترام وليس موازين القوّة.

ويمثل هذا الكتاب في صميمه أيضا تأريخا للحركة النسائية في فرنسا وفي أوروبا. وتروي المؤلفة في هذا الإطار العديد من الوقائع والأحداث ذات الدلالة. هكذا تعود مثلا إلى عام 1948. في تلك السنة كانت فرنسا تواسي جراحاتها التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وحيث كانت والدتها شابّة في مقتبل العمر وتسكنها رغبة أن تكمل تعليمها وتنال الدكتوراه لتصبح أستاذة جامعية لمادة الكيمياء.

لكن بنفس السنة تزوجت أستاذ رياضيات شاب كانت هدية الزواج التي قدمها لها هي أنه ينبغي عليها التخلّي عن مسارها المهني كي تكرّس بنفسها لمسار زوجها. شكرته على الهدية وأعلنت أنها ستنقذها بحذافيرها.في العام التالي للزواج اشترت الأم، عندما كانت حاملا بالمؤلفة، الجزء الأول من كتاب "الجنس الثاني". لقد أعاد لها ثقتها بنفسها واستعادت قوتها كي تصبح بالفعل أستاذة جامعية لمادة الكيمياء. وبعد عشرين سنة كانت الشابة المؤلفة- تقرع على باب سيمون دو بوفوار لتبدأ صداقة استمرت حتى وفاة "المعلّمة". وفي مثل ذلك السياق، وبعد ثورة الطلبة في شهر مايو-ايار بفرنسا عام 1968 انطلقت حركة الدفاع عن حقوق المرأة. وبتاريخ 26 أغسطس- آب من عام 1929 توجهت ثماني نساء فرنسيات إلى ساحة "قوس النصر" في جادة الشانزيليزيه الشهيرة من أجل وضع الزهور على "قبر أرملة الجندي المجهول".

إن هذا الكتاب هو الخامس عمليا، بالإضافة إلى "أطروحة الحصول على شهادة الدكتوراه، الذي تقدمه المؤلفة عن سيمون دوبوفوار. ويمكن توصيفه مثل الكتب الأخرى أنه نوع من كتابة السيرة الشخصية لصاحبة كتاب "الجنس الثاني".

ولعلّ من أهم المظاهر التي تؤكّد عليها في هذا الكتاب هو أنها، أي السيدة دو بوفوار، كانت "كاتبة" تحاول التواصل مع العالم و"شخصية عامة" تهتم بقضايا مجتمعها و"ملتزمة" بالدفاع عن القضايا التي تعتبرها عادلة. وبكل الحالات تؤكد المؤلفة أنه لا ينبغي أبدا نسيان جملة دو بوفوار القائلة: "لا شيء يتم الحصول عليها مرّة واحدة إلى الأبد".

المؤلفة في سطور

كلودين مونتي، مؤرخة وكاتبة سير فرنسية. سبق لها وقدمت أعمالا عديدة من بينها: "عشّاق الحرية" و"سارتر ودوبوفوار في قرنهما" و"الأختان دو بوفوار" و"سيمون دوبوفوار من حيث هي امرأة".

أهمية الإرادة

تتمثل المادّة الأساسية للكتاب في أفكار المؤلفة كلودين مونتي نفسها. والفكرة الرئيسية التي ترددها تقول إن إيمان الإنسان بقوته هو الأداة الأهم في كل معاركه. كذلك تطرح المؤلفة عددا من التساؤلات عن أولئك، من نساء ورجال، الذين يرفعون شعار الدفاع عن حقوق المرأة وتحاول إظهار مدى "وفائهم" للمعركة التي كانت شنّتها سيمون دو بوفوار.

الكتاب: سيمون دو بوفوار

والنساء اليوم

تأليف : كلودين مونتي

الناشر: اوديل جاكوب

باريس 2011

الصفحات: 250 صفحة

القطع: المتوسط