يحاول المؤرخ البريطاني روبرت سرفيس أن يرسم في كتابه : (تروتسكي: سيرة حياة) صورة قريبة من الواقع الى ليون تروتسكي الذي كان بمثابة المنافس الأول لجوزيف ستالين بالاعتماد على العديد من الوثائق التي يتم نشر محتواها للمرّة الأولى. ما يؤكده المؤلف بداية هو أن تروتسكي يستحق نظرة أخرى، أكثر حقيقية من تلك التي رسمها له "مريدوه" وأنصاره مستفيدا بذلك من التعاطف الكبير حيال أولئك الذين كانوا ضحايا القمع الستاليني.

إن المؤلف يعود بداية أيضا إلى يوم 12 أغسطس - آب من عام 1940، عندما اقترب أحد عملاء أجهزة الاستخبارات الستالينية من ليون تروتسكي ووجه ضربة قوية لرأسه بواسطة آلة حادة اخترقت الجمجمة وبعدها دماغه. في اليوم التالي، أي 23 اغسطس-آب 1940 لخّصت التايمز ذلك الحدث بالقول: "اغتيال تروتسكي استقبله الكرملين براحة كبيرة، ولن تخسر الإنسانية كثيرا من جراء ذلك الاغتيال".

ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن تروتسكي كان يتمتع بـ"شجاعة شخصية" استثنائية، وأنه كان "أحد أكبر الخطباء في القرن العشرين"، و"صاحب موهبة كبيرة في الجدل". تتم الإشارة في هذا السياق، وبمعرض المقارنة مع شخصيات أخرى عاصرها تروتسكي، أن "تشرشل"، رئيس وزراء بريطانيا الشهير خلال الحرب العالمية الثانية، قد كان "يوازيه" من حيث الكفاءة "البلاغية" في الخطابة والكتابة.

يضاف إلى تلك السمات كلها تأكيد المؤلف أن تروتسكي لم يكن "فاسدا" في سلوكيته الحياتية، كما كان بعيدا تماما عن التدخين وتعاطي الكحول. ولم يكن المال يعني له الشيء الكثير بينما كان مولعا بالقراءة ومعجبا بشكل خاص بأعمال الروائي "جورج سمنون".

لعلّ الميزة الأساسية لهذه السيرة عن "ليون تروتسكي" أنها الأولى المكتوبة بقلم صاحبه ليس روسيا وتروتسكيا. وإذا كان المؤرخ البريطاني لا يتوقف طويلا للحديث عن الثورة البلشفية لعام 1917 ودور تروتسكي فيها، فإنه يرسم لصاحب السيرة صورة ثوري لا شفقة في قلبه ولا يتردد في فعل أي شيء من أجل انتصار قضيته، بما في ذلك فعل أكثر الممارسات عنفا.

وبهذا المعنى تتم مقارنة تروتسكي بستالين ويحاول المؤلف تقديم البراهين أن "الرجلين لا يختلفان كثيرا من حيث طبيعة ذكائهما"، الأساليب وحدها قد تتغير فتروتسكي كان على استعداد لاستخدام "أسلوبه الرفيع" من أجل خدمة أعتى الدكتاتوريات.

وإذا كان تروتسكي من الداعين لقيام "ثورة عمالية" فإن لم يتم هو نفسه بأي عمل "مادي" من أجل ذلك ويرى المؤلف أن "كرهه" لأسرته، أو على الأقل رفضه لـ"النموذج" الذي كانوا يمثلونه كـ"فلاحين نجحوا عبر العمل الشاق أن يبنوا مشروعا رابحا. وينقل عنه المؤلف كتابته عام 1935 أنه ليس هناك إنسان "يثير القرف" أكثر من "بورجوازي صغير يبحث عن تجميع المكاسب البدائية".

وكان تروتسكي من بين أكثر الثوريين الروس دعوة للعنف "الثوري". وينقل عنه المؤلف قوله في سان بطرسبورغ ما مفاده: "أقول لكم ينبغي أن تتدحرج الرؤوس وتسيل الدماء". ولم ينس تروتسكي تذكير مواطنيه الروس آنذاك بما فعلته الثورة الفرنسية الكبرى عندما "حصدت" رؤوس أعداء الشعب.

ويذهب روبرت سرفيس إلى حد التأكيد أن تروتسكي لم يكن في أعماقه وفي سلوكياته مناهضا لـ"الدكتاتورية" ولـ"بيرقراطية" الحزب البلشفي "الشيوعي". يتم في هذا السياق تقديم العديد من البراهين على أن "أفكار تروتسكي وممارساته ساهمت في إرساء أسس المنظومة الستالينية". وكذلك التأكيد أن ليون تروتسكي غدا خصما شديدا لستالين عندما فقد هو نفسه السلطة.

وليس على أساس أنه كان يريد في واقع الأمر نهجا آخر للثورة البلشفية. ما يؤكده المؤلف أيضا، بالاعتماد على عدد من المعطيات والمعلومات الموثّقة، هو أن تروتسكي قد ساهم، مع لينين، بإقامة معسكرات الاعتقال. وقد كان تصرّفه شبيها إلى حد كبير مع ما طالب به روبسبيير إثر قيام الثورة الفرنسية.

إحدى الأفكار الأساسية التي تتكرر في تحليلات الكتاب تكمن في القول أن "التروتسكية كانت تمثل الستالينية في حالتها الجنينية". تتم الإشارة أن تروتسكي، من موقعه كقائد للجيش الأحمر قد "تبنّى سياسة القضاء على وحدات الجيش التي هربت أو تقاعست أمام الخصوم". ويصل روبرت سرفيس إلى حد القول: "في بعض اللحظات بدا أن تروتسكي وستالين يتنافسان من أجل الفوز بلقب الأكثر قسوة".

 

الكتاب : تروتسكي: سيرة حياة

تأليف: روبرت سرفيس

الناشر: بان بوكس- لندن- 2010

الصفحات: 600 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Trotsky : a biography

Robert Service

Pan Books- London- 2010

600 .p