تدرس الباحثة ساللي برايس في كتابها "إلى متحف الأوهام" المآل الذي قام الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بتدشين "متحف رصيف برانلي" في شهر يونيو- حزيران من عام 2006. وهذا المتحف مكرّس لفنون وحضارات أفريقيا وآسيا والأميركيتين، الشمالية واللاتينية، بتعبير آخر للحضارات غير الغربية. أما تسمية المتحف فقد جاءت من موقعه على بعد عشرات الأمتار فقط من "برج ايفل" على "رصيف برانلي".
تتحدث المؤلفة عن فكرة المتحف وقصة تنفيذها من قبل "جاك وجاك"، كما يقول عنوان هذا الفصل، أي جاك شيراك وجاك كيرشاش. هذا الأخير هو تاجر في مجال الفن ومختص بالفن الأفريقي. وقد حاول منذ مطلع عقد التسعينات الماضي إدخال ما أسماه "الفنون البدائية" إلى متحف اللوفر الفرنسي الشهير.
وقد التقى بجاك شيراك عندما كان رئيسا لبلدية باريس. وعندما جرى انتخابه رئيسا للجمهورية عام 1995 طلب أوّلا تخصيص جناح في اللوفر للفن البدائي ثم أعلن عن مشروع بناء متحف جديد. بُدئ بتنفيذ المشروع عام 1999 حيث عُهد بذلك للمهندس المعماري الفرنسي الشهير "جان نوفيل".
طرحت النقاشات التي سبقت افتتاح المتحف عدة أسئلة تحددها المؤلفة في تحديد طبيعته وهل هي فنيّة أم ثقافية؟ وسؤال جوهري آخر ما هو "الفن البدائي" أو "الفن الأوّلي"؟ ذلك أن هذا المفهوم الجديد يتضمن في عمقه حكم قيمة مفاده أن الشعوب التي أنتجته يمكن توصيفها بـ"البدائية". مثل هذا المفهوم تعرّض بالتالي إلى نقد شديد وبدت التسمية لا تنطبق على التوصيف المقدم. لكن هذا لا يمنع واقع أن تعبير "الفن البدائي، أو الأوّلي"، أصبح موجودا في قاموس اللغة الشائعة.
تتم الإشارة في هذا السياق أنه رغم الحديث عن كون أن المتحف مكرّس لفنون وحضارات قارّات مختلفة، فإن واقع معروضاته لا يغطي مثل تلك المقولة. فكندا وخاصة منطقة كويبك على سبيل المثال أعلنت اعتراضها الشديد بسبب غياب الأعمال الفنية الكندية بحيث لم يكن يعبّر عنها عند الافتتاح سوى حزامين نسيجيين. واليوم وبعد خمس سنوات من افتتاح "متحف رصيف برانلي"، تشرح المؤلفة أنه لم يحقق الكثير في تشجيع حوار الثقافات. وترى أن ما تمّ على صعيد الواقع العملي ينتمي بالأحرى إلى "حوار ذاتي غربي مونولوج- حول الفنون البدائية".
وتبرز ساللي برايس في هذا السياق كيف أن أولئك الذين قدّموا فكرة المتحف وصمموا تنفيذه قد أعطوا الأولوية لـ"الجانب البيداغوجي، بحيث يتم تقديم، وتقريب، الحضارات الأخرى، غير الغربية، إلى أذهان وفهم الرأي العام في العالم الغربي.
وتشرح أيضا كيف أن المشروع الذي تبنّاه الرئيس جاك شيراك وصبّ في مصلحة البعض قد عرف على أرض الواقع "تباينا كبيرا" بين "النوايا المعلنة" و"النتيجة التي تقوم على مجموعة من الأوهام، بل ومن الأخطاء". ومن هنا بالتحديد جاء عنوان الكتاب "إلى متحف الأوهام". هذا خاصة أن المشروع قد عبأ إمكانيات الدولة التي جرى استخدامها في "مغامرات غير مدروسة النتائج" تخللها قدر كبير من الفوضى.
ومن خلال التعرّض لنشوء فكرة المتحف وكيفية تنفيذها تتعرّض مؤلفة هذا الكتاب لدراسة آلية العمل الرسمي الثقافي "على الطريقة الفرنسية". وتبيّن أن هذا النموذج يمتلك قدرا كبيرا من "التفرّد" بالقياس إلى آلية عمل المؤسسات الثقافية الخارجية.
ورغم أن فرنسا ترفع شعار العلمانية بالمعنى الواسع للكلمة، فإن الواقع يشير إلى أن "الواجهة الزجاجية" لمتحف الفنون والحضارات القديمة في باريس لا تخفي واقع الإشكاليات التي يعاني منها المجتمع الفرنسي والتحديات التي يواجهها على صعيد مكانة الهجرة في فرنسا وأسس مفهوم المواطنة وواقع العلمانية وحقيقة الضعف الذي تعاني منه السلطات السياسية.
تتم الإشارة بأشكال مختلفة أن بناء "متحف رصيف برانلي" جاء "على حساب متحف الإنسان". والتأكيد أن أصوات عديدة تعالت قبل الشروع في بناء المتحف الذي أراده جاك شيراك كـ"واجهة لفترة رئاسته"، وأكّدت تلك الأصوات أن هناك خشية أن يُبرز المتحف "نزعة التفوق الأوروبي" حيال شعوب الحضارات الأخرى.
الأمر الذي برهنت عليه الأحداث لاحقا، خاصة أنه لم تتم استشارة شعوب الحضارات المعنية بما سيتم عرضه في المتحف المعني. والإشارة أيضا أن القرار الرئاسي الفرنسي من قبل جاك شيراك كان وراءه تاجر الأعمال الفنية "المغامر" جاك كيرشاش، المختصّ بالفن الأفريقي.
تؤكد المؤلفة أن "متحف رصيف برانلي" قد لقي ترحيبا من عدد هام من كبار المهتمين بالحضارات القديمة. وليس أقلهم شأنا وشهرة مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس الذي كان قد قدّم عدة دراسات عن القبائل البدائية في البرازيل ؛ ورواية أميركية مشوبة بالنقد لحصيلة خمس سنوات من حياة "متحف رصيف برانلي" في باريس للفنون والحضارات المسمّاة بـ"البدائية" والمحصلة يعبّر عنها العنوان الفرعي للكتاب القائل: "الموعد الضائع لرصيف برانلي".
الكتاب : إلى متحف الأوهام
تأليف: ساللي برايس
الناشر: دونويل - باريس- 2011
الصفحات:362 صفحة
القطع: المتوسط
Au musée des illusions
Sally Price
Denoël - Paris- 2011
362 .p