بعد أن أقام الجغرافي والرحالة الفرنسي الشاب سيدريك غراس عاما في منطقة "اومسك" السيبيرية وثلاثة أعوام في مدينة فلاديفوستك، يقدم كتابا عن "مغامرته"، كما يقول، في مدينة فلاديفوستك، المرفأ الروسي على بحر اليابان.
هذه المدينة التي جذبت المؤلف الشاب المولود بضواحي العاصمة الفرنسية باريس، ثم جذبته أنوار مدينة فلاديفوستك التي يقول عنها الرحالة سيلفان تيسون في مقدمته للكتاب: إنها "المدينة التي تمثل المحطة النهائية للمسافرين في قطار الأحلام". وهي المدينة التي يكرّس لها سيدريك غراس كتابه الأول.
ويشرح المؤلف في الصفحات الأولى قصة اكتشافه لروسيا وحبه لها، ذلك انطلاقا من مقاعد الدراسة، حيث "يتعلّم الأطفال جغرافية العالم"، لكنه يضيف أن الإنسان لا يتعلم الكلام حقيقة إلا عبر الأسفار. فالسفر كما يقول، هو "لغة الأرض إلى حد كبير".
أما الخصوصية الكبرى التي يؤكد عليها المؤلف لمدينة فلاديفوستك في التاريخ الروسي-الفرنسي فهي أنها لم تعرف الذكريات المؤلمة لمغامرات نابليون في روسيا. وتحتفظ بالمقابل بـ"ذلك الحب لفرنسا الذي يعود إلى زمن القياصرة، والذي بقي لا شائبة فيه".
ولا يتردد سيدريك غراس في التحذير، بأشكال مختلفة، من أنه ينبغي عدم القبول السريع بالمقولات والأحكام المسبقة حيال الروس والقائلة إن "الروس كذا أو كذا"، والحذر تحديدا في الاتجاهين، اتجاه المغالاة في الإيجابية أو في السلبية. لا بد إذن من الحذر الشديد من "التعميمات المخلّة" دائما. ما يؤكد عليه المؤلف هو أنه يقدّم تجربته كما عاشها بكل ما عرفته من لحظات جميلة، ولكن أيضا من لحظات فيها الكثير من "خيبة الأمل".
خيبة الأمل الأولى أنه لم يجد، عند وصوله إلى فلاديفوستك "المدينة التي تخيلها". بل وجد المدينة التي عرف فيها "لحظات من الإثارة الفكرية الحادّة في المتاحف الفارغة في أحياء منسية، مهملة".
"لكن لماذا روسيا"؟ يتساءل المؤلف.
ويجيب: "لقد وصلت إليها وأنا في الثالثة والعشرين من العمر. كنت مسافرا لا أعرف بالدقة إلى أين أتجه، وحيث لم يكن بجعبتي سوى حفنة من الفشل ومن الزمن الذي يمضي. وبعد أربع سنوات من إقامتي في روسيا خرجت شخصا أكثر وثوقا بنفسه. ثقة بالنفس لا تقوم على خلفية أي مكتسب ملموس. لكن بالأحرى على تجربة العيش في بلاد أصبحت ذات أولوية مطلقة في حياتي. وهل أتجرأ على القول إنها صنعت منّي رجلا"؟
وإذا كان المؤلف يولي أهمية كبيرة لتوصيف مدينة فلاديفوستك، فإنه يتوقف مرّات عدة كي يتحدث على مدى صفحات عدة عن تجربته الثقافية في المدينة. من موقعه كأستاذ للغة الفرنسية في جامعة "الشرق الكثيرون يحلمون بالسفر لكن القليلين يجرؤون على الذهاب إلى نهاية أحلامهم
الأقصى" أولاً، ثم كمدير لمؤسسة مختصة بتعليم اللغة الفرنسية "لاليانس فرانسيز".
نقرأ: "أعتقد بأنني مكرّس لخدمة الروس. وأحب الروس كثيرا على أساس قائمة طويلة من المناقب التي يتحلون بها، ومن الصفات السحرية، ولكن أيضا من أجل العيوب التي يعانون منها. كل هذه المناقب والمسالب لا يمكن اكتسابها بالكامل إلا من خلال الولادة في عين المكان. هذا حتى ولو كان الروس يبعثون لديك الإحساس سريعا أنك واحد منهم".
ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب هو أن مؤلفه يرسم صورة المجتمع الروسي من داخله ومن خلال مجموعة من الأوضاع والأحداث التي عاشها. وبنوع من الاعتراف بالعرفان لما قدّمه له الروس من دروس وما ساهمت فيه روسيا من حقل شخصيته يكتب: "عرفت في روسيا الكثير من لحظات الإحساس بالوحدة.
لحظات من الصعب اقتسامها مع الآخرين. لكن بعد سنوات وجدت أنني حررت صفحات كثيرة من الملاحظات عن ذكريات عشتها أو أحداث مرّت بحياتي، أشياء كتبتها بقدر كبير من العفوية وهي التي شكّلت مادة هذا الكتاب. إن روسيا هي التي دفعتني في المواقع لتحرير كتاب وليس العكس".
ما يصرّح به المؤلف هو أنه يسعى من كتابه التعريف بروسيا "الحقيقية"، "العميقة" للقارئ الفرنسي العادي المأخوذ عادة بمجموعة من الأفكار الجاهزة "الكليشيهات" التي تقوم بالأحرى على نوع من "رفض" الآخر بل و"التقليل من شأنه".
هذا كله على قاعدة "جهله" و"جهل حضارته". ويرى المؤلف أن السبيل الأمثل لمعرفة الآخر هو الشروع بمغامرة السفر. وهكذا لا يتردد بوصف نفسه أنه "مسافر". ويعبّر عن إدراكه أن كُثراً هم أولئك الذين يحلمون بالسفر. ولكن القليلين منهم هم الذين يتجرؤون للذهاب بأحلامهم حتى نهايتها.
في هذا الكتاب يقدّم مؤلفه سيدريك غراس مدينة فلاديفوستوك. ومن خلالها يقدّم روسيا، روسيا التي تعاظم "سحرها" عليه "فصلاً بعد فصل". وغمرته ثلوجها بـ"الدفء الإنساني، المدينة وجغرافيتها وعادات أهلها وأحلامهم، وخاصة الطلبة منهم، وعلاقاتها مع بقية العالم. مع موسكو "المركز الذي يجذب إليه جميع الروس" والصين القريبة و"مصدر الخوف والخشية" وكوريا الشمالية، المجهولة والمبهمة" واليابان "أرض التجارة والأعمال". وأميركا البعيدة التي يتطلع كُثر للذهاب إليها.
الكتاب: فلاديفوستوك ثلوج
تأليف: سيدريك غراس
الناشر: فيبوس باريس 2011
الصفحات: 200 صفحة
القطع: المتوسط
The false promise of green energy
Andrew P. Morris, William T. Bogart andة
Cato Institute ذ New York- 2011
224 .p