بعد أن قدّم الكاتب والروائي الفرنسي غونزاغ سان بري سير حياة بعض مشاهير الأدب الفرنسي من أمثال الفرد دوفيني وجورج ساند والكسندر دوما وغيرهم. يعود للكتابة عن أحد أشهر الروائيين في التاريخ الأدبي الفرنسي أو نوري دو بلزاك الذين كان المؤلف قد أمضى سنوات طويلة من حياته في البحث عن مختلف مظاهر حياته وعبقريته. وهو يقدّم في عمله الأخير "بلزاك، سيرة حياة كرواية" المحطات الكبرى في حياة وعمل "بطله".
يقدّم الكتاب في عنوانه الفرعي "سيرة حياة كرواية" دلالات واضحة عن الصورة التي يرسمها المؤلف لبلزاك على مدى الفصول العشرة التي يتألف منها هذا العمل. وتتمثل الخطوط العريضة التي يؤكد عليها المؤلف في هذه السيرة في القول ان حياة أو نوريه دو بلزاك هي بالفعل أشبه برواية خيالية. إنه ابن لأم كانت لا تبالي به، بل وربما لا تحبه. وتلميذ عاش وحيدا دون أصدقاء من زملائه.
وناشر عرف حالة "إفلاس" مستمرّة و"غارق في الديون" و"غول شره للطعام" و"مستورد فاشل لثمار الاناناس" ومتشرّد بلا هدف على دروب أوروبا" و"الكاتب الذي رفضته الأكاديمية الفرنسية باستمرار". ومن الأفكار الأساسية التي يرددها المؤلف قوله إن ما حاول بلزاك إخفاءه في حياته كشف عنه بوضوح في أعماله الأدبية. هكذا يدرس شخصيته تحت عناوين من نوع:
"بلزاك والمال" و"بلزاك والنساء" و"بلزاك والعلم" و"بلزاك والموسيقى". تجدر الإشارة أن المؤلف لا يكتفي بتحليل شخصية بلزاك من خلال أعماله الروائية الكبرى ذات الشهرة العالمية، ولكن أيضا من خلال كتاباته "الأقل شهرة" والعديدة. ولا يتردد المؤلف في القول إن أعمال بلزاك تحت عنوان "الكوميديا الإنسانية" يقدّم صورة دقيقة عن حقبة كاملة من تاريخ فرنسا.
والعمل الذي مثل في واقع الأمر "ولادة الرواية" بالمعنى الدقيق للكلمة، وأيضا "ولادة العمل التوثيقي" بمعنى ما، والتعرض لموضوع "المال وقوته في المجتمع" وإدخال أشياء المطبخ والمأكل والمائدة في نسيج الأعمال الأدبية. وإلى جانب ذلك كله ممارسة نوع من "الصحافة". ذلك كله ممارسة نوع من "الصحافة". ذلك كله كان يحتاج لرجل استوعب "جنون" عصره وعاش الحياة بكل تفاصيلها.
وذلك الرجل اسمه أو نوريه دو بلزاك إن المؤلف يرسم صورة بلزاك على غرار شخوص رواياته. ويقدّم ما يراه الأسباب العميقة التي جعلته في عداد عظماء الأدب في التاريخ الفرنسي كله. إن حياته، كما يتم تقديمها، كانت سلسلة من المغامرات. ولكنه "استطاع أن يكمل بالقلم ما كان نابليون قد بدأه بالسيف". وينقل عنه المؤلف قوله: "إنني أستكمل غالبا أعمالي على ضوء أحد بيوتي التي تحترق".
يشير المؤلف إلى أن ما نسيه "مانزوني" هو أن بلزاك كان بحاجة إلى إبراز اعتداده بنفسه كي يخفي مدى الألم الذي عاش وكبر معه وكانت أمه هي بالتحديد مصدره وحيث يقول عنها هو نفسه: "لقد كانت تكرهني لأسباب عديدة. بل وكانت تكرهني حتى قبل ولادتي" ذلك السبب العميق بالتحديد هو الذي كان يمنع بلزاك من الإحساس بـ"السلام" مما دفعه إلى اختراع "شخوص قلقة".
ويحدد المؤلف القول أن رواية "الأب غوريو" تمثل المرحلة الأكثر أهمية في بناء "الكوميديا الإنسانية"، أي العنوان العريض لأعماله كلها. وينقل عن بلزاك كتابته عام 1834 في رسالة لالينا هانسكا تضمنت ما مفاده: "أعتقد أنه في عام 1838 ستكون الأقسام الثلاثة من هذا العمل قد تكدّست، هذا إذا لم تكن قد اكتملت، بحيث يمكن الحكم على المجموع".
ما تتم الإشارة إليه هو أن بلزاك عرض في ذلك العمل "تعقيد العالم الذي كان يعتمل في داخله". لقد حاول كتابة تاريخ كامل مكتمل لعادات عصره، تاريخ "يشكل كل فصل فيه" رواية من روايات بلزاك. باختصار "اخترع" بلزاك "الرواية الحديثة" بأبعادها الفلسفية والواقعية والرومانسية. وغدت أعماله بمثابة "مرجعيات" لقرنه وللقرن اللاحق وأعطى للرواية "عصرها الذهبي". ويضيف المؤلفان أن بلزاك أصبح أيضا أحد ملهمي كتاب كبار من أمثال غوستاف فلوبير واندريه جيد واميل زولا ومارسيل بروست وغيرهم.
الكتاب : بلزاك، سيرة حياة كرواية
تأليف: غونزاغ سان بري
الناشر: تيليمارك - باريس- 2011
الصفحات: 444 صفحة
القطع: المتوسط
Balzac, une vie de roman
Gonzague Saint Bris
Télémarque - Paris- 2011
p.