يُجمع النحاة وعلماء التجويد والقراءات حسب مؤلِّف كتاب ( في التنظيم الايقاعي للغة ) مبارك حنون على أنَّ الوقف هو"قطع النطق عند إخراج آخر اللفظة" وأنَّه هو"قطع الكلمة عما بعدها" و"قطع الصوت عن آخر الكلمة" و"قطع الصوت عن الكلمة" و"قطع الصوت عند آخر الكلمة".

 وإذا كانت القراءة- قراءة أي نص كيفما كانت طبيعته- قد تفترض تواصل الأصوات واسترسالها وتواليها من غير ما حاجز يحول دون انسياب الموجات الصوتية وتدفق السلسلة اللفظية فإنَّ الوقف يُعد بمثابة انقطاع الصوت والسلسلة اللفظية المتواصلة وتقطيع السلسلة الكلامية إلى أجزاء.

ثمَّ يأخذ د- مبارك حنون (الفاصلة) ويرى أنَّها عبارة عن حروف متشاكلة تكوَّن في مقاطع الكلام أو في المواضع التي يفصل فيها الكلام عن بعضه البعض(وقد أطلق عليها أيضاً رأس الآية), لذا عُدَّت قرينة السجعة في النثر وقافية البيت في القصيدة. وبذلك, ربطت الفاصلة بالوقف.

فهي "تقع عن الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها", وهي " الكلام المنفصل عما بعده", لأنَّ" الفواصل بمنزلة القوافي في أنَّها مواضع وقوف, كما أنَّ أواخر البيوت كذلك" إلا أنهم اعتبروا الوقف عليها إما جائزاً ما لم يفسد المعنى, وإما السكت بلا تنفس هو الذي يلازمها وإما يُرجَّح الوقف عليها .

وإن تعلقت بما بعدها لأنَّ الوقف على الفاصلة يكون بغاية "إعلام الفواصل" وبينها أو للتعريف بها, أو لتبيين رؤوس الآي للمستمعين أو للترتيل. بل لأنَّهم يذكرون أنَّ"مبنى الفواصل على الوقف؛ ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس, وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون".

يقول المؤلف إنَّ الوحدات المتجمِّعة التي تفصل بينها الوقوف هي تلك التي نسميها بالجملة الإيقاعية(المجموعة الوقفية), وبذلك تكون الجملة الإيقاعية الوحدة الإيقاعية (البسيطة أو المركبة) التي يحددها وقف من جانبيها. وهذا يعني أنَّنا نذهب إلى القول بأنَّ الجملة بناء ذهني, أي أنَّ هناك انحيازاً يتم ملؤها, وهي انحياز منظمة تنظيماً إيقاعياً بما أنَّ الإيقاع إيقاع مدرك,وأنَّ خرقه يتم على مستوى الإنجاز والتحقيق, أي على مستوى ملئه بالتحققات المختلفة, ومنها تحققات الوقف.

هذه الجملة الإيقاعية تبدأ بموقع فارغ, وتنتهي بموقع فارغ, لأننا نتصوَّر أنَّ هذه الجملة ليست بمستقلة ولا بمنفصلة عن الوقف أو الأحياز الفارغة, ذلك أنَّ"الصمت" سابق على الكلام ولاحق به, ومسؤول عن ولادته, بل إنَّه كلام بالقوة. وقد يحق لنا, هنا, القول بأنَّ الصمت أو الوقف لا يُدرس باعتباره جزءاً لايتجزأ من الكلام, وربَّما يعود ذلك إلى الوضع الذي أسند إلى الصمت في الفلسفة الكلاسيكية التي تربط الفكر باللغة ربطاً وثيقاً, فكانت العناية بالغة بالكلام وبمادته الصوت.

بينما رمي بالصمت في أحضان الميتافيزيقا.إنَّنا نرى أنَّ الجملة الإيقاعية لا تطابق, بالضرورة, الجملة الترتيبية, إنها القالب الإيقاعي المكون من أحياز تملأها الكلمات والصموتات وفق نظامين اثنين: نظام إيقاعي أولاً يليه النظام التركيبي-الدلالي- التداولي الذي يتلوه النظام الإيقاعي مرة أخرى. وبذلك يكون تنظيم الكلام تنظيماً دائرياً.

وفيما يتصل بالتنظيم الإيقاعي للقول, نرى أنَّ له مستويات في اللغة مختلفة, فإمَّا أن يكون هذا التنظيم تنظيماً إيقاعياً أدنى وبسيطاً, وإمَّا أن يكون تنظيماً إيقاعياً تتفاوت درجات تعقيده. هكذا, قد يتم توظيف مكوِّن الإيقاع: فقد يتم ضبط مرقى توالي السكنات والحركات(توالي أنواع المقاطع من قصيرة وطويلة وخفيفة وثقيلة), وقد يتم,على مستوى مرقى آخر, إبراز مقاطع على حساب مقاطع أخرى,.

مثلما يتم ضبط دوريات انتظام كذلك, كما قد يعمد, في التنظيم الإيقاعي,إلى مراقي أخرى لتنظيم هرميات القول وفق متطلبات الإيقاع, من قبيل ضبط تساوي الكلمات والمركبات والجمل, ثم الاحتفاء بخواتيمها, أو خواتيم البعض منها, ثم العناية بالتناغم الصوتي وتناسق الأصوات فيما بينها من جهة, وفيما بينها وبين المستويات الأخرى للغة.

يخلص المؤلِّف إلى القول: لقد غامرنا وخاطرنا. لكنَّنا نعتقد أنَّنا قد نجونا بجلدنا وبجلد اللسانيات, على الأقل, لأننا فتحنا باباً كان يعتبر أمر الخوض فيه من المخاطر الكبرى, ولأننا طرحنا أسئلة عديدة ووجهنا الأنظار نحو قضايا ظلت مقصاة ومنسية.وإذا كنا قد جاهدنا من أجل الإجابة عن أسئلتنا العديدة.

فإنَّ أسئلة أخرى ما زالت منتصبة في أذهاننا, وأسئلة ثانية انتصبت على إثر إجابتنا عن أسئلتنا الجوهرية,ونكتفي, هنا,بذكر بعضها:هل هناك,في اللغات الأخرى,وقائع لغوية قادرة على أن تسند خلاصتنا الجوهرية القائلة بأنَّ الوقف موجَّه للتركيب؟

وهل هذا الوضع الذي نقول به للوقف سمة كلية أم أنه سمة خاصة باللغة العربية؟ هلاَّ تمكن الاستفادة من علم الموسيقى بغية التأكد من صحة هذا الوضع الجديد الذي أعطيناه للوقف؟ أليست هناك دواعٍ غير إيقاعية لتوجيه الوقف للتركيب؟

ألا تخفي بعض قواعد التركيب التي تمَّ اصطناعها مفعول الظواهر الفوق- قطعية؟ ماهي الصلات التي يمكن أن يعقدها الوقف مع باقي مكوِّنات النحو باعتباره بنينة إيقاعية مجرَّدة؟ كيف يمكن أن تنظَّم الصواتة في ضوء الخلاصات التي انتهينا إليها؟.

 

الكتاب: في التنظيم الإيقاعي للغة العربية

تأليف: د. مبارك حنون

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ــ بيروت ومنشورات الاختلاف الجزائر ــ 2010

الصفحات: 303 صفحات

القطع: الكبير