قليلة هي السلاسل الدورية المتخصصة في الأدب والفن الشعبي، ومنها السلسلة الصادرة عن هيئة قصور الثقافة بالقاهرة، وقد صدر عنها كتاب يتناول موضوعاً جديداً في المكتبة العربية، وهو "مولد البطل في السيرة الشعبية" بقلم الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي.

وقد أعيد نشره ضمن مطبوعات "القراءة للجميع" بسعر زهيد، حتى يصبح في متناول الجميع؛ وقد أشار المؤلف إلى منهجه في تناول موضوعه، ببيان المصادر التي اعتمد عليها، حيث ان المصدر في الدراسات الشعبية، له أهمية خاصة. خصوصاً في بيان الرواية الشعبية التي يتناولها بالدراسة، وبالتالي نوعية الراوي.

يتناول المؤلف موضوع البحث (مولد البطل) بعرض واضح ومحقق لمصادر البحث، وهو الجزء المتعلق بالراوي والرواية.. ثم الحديث عن النبوءة بمولد البطل، وهي من ظواهر كل السير الشعبية.. ثم الانتقال إلى البطل المصاحب، ذلك الرجل الذي يرافق بطل السيرة طوال حياته.

وغالباً ما يكون مشاركاً في نسيج الأحداث.. أما النسب أو نسب البطل، فهو من الأهمية بحيث يبدو البطل الشعبي دوماً، سليل نسب عريق.. أما حادثة ميلاد البطل في السيرة الشعبية، فغالباً ما تبدو حدثاً جللاً لأهله وقبيلته.. وغالباً ما يشكو البطل الشعبي من ظاهرة الغربة والاغتراب، في كل السير الشعبية.. لتكون آخر الظواهر الخاصة بالبطل الشعبي والتي درسها الكاتب هي الاعتراف به والتعرف على هويته وقدراته.

يشير المؤلف إلى أن "السيرة الشعبية" هي نوع أدبي من أنواع الأدب العربي الذي أهمل أو أغفل، حتى انه لم يدخل ضمن الأنواع الأدبية المعروفة، ويرى أن هذا الإهمال اشترك في تأكيده كثير من الباحثين عرباً كانوا أو غير عرب؛ وهو ما انعكس في إهمال أو التهاون في جمع نصوص تلك السير الشعبية، فضاعت النصوص التي كانت تروى في الأربعينات عن "عنترة" و"سيف بن ذي يزن" و"المهلهل".. بوفاة رواتها.

كما ضاع كثير من النصوص المختلفة لسيرة بني هلال لوفاة رواتها، ولم يبق إلا القليل من رواة بني هلال.. متناثرين في أنحاء مصر وبعض البلدان العربية.. حتى انه بمصر تحول بعض الرواة إلى مطربين شعبيين في الأفراح! وانعكس إهمال متابعة السير الشعبية، إلى عدم التوفر على دراستها دراسة علمية، بل واحتقار مؤديها.

مع ذلك توجد بعض الاجتهادات والدراسات في مجال السيرة، منها ما قدمه شوقي عبدالحكيم ومحمد رجب النجار وصلاح الراوي وغيرهم. ولعل أقدم صورة للسيرة في العربية هي سيرة (ابن هشام) التي تترجم للرسول (صلى الله عليه وسلم).

تمر السيرة بعدد من الحلقات، والموالد هي إحدى هذه الحلقات، وهو لا يعنى لحظة ميلاد البطل، وإنما تعنى لحظة أكبر من هذه اللحظة، فهو يتناول عالم البطل قبل ميلاده أو ولادته، ثم تناوله وليداً وطفلًا حتى تنتهي مرحلة العبور وهي مرحلة التعرف والاعتراف.

بعد أن توقف المؤلف مع الرواية والرواة في السيرة الشعبية، وشرح أهميتها، انتقل إلى مرحلة تالية هي "النبوءة أو قدر البطل"؛ فلا يوجد بطل لسيرة لم يرتبط ميلاده بالنبوءة، فهي ترتبط بوجوده الفعلي، وتحدد له مصيره المعد له، والدور الذي سيلعبه في حياته طوال أحداث السيرة.

لعل سيرة الظاهر بيبرس الوحيدة التي لم تكن النبوءة بمصيره سابقة لميلاده. وإنما جاءت بعد أن اختطف بيبرس من أهله وبيع، وقد جاءت النبوءة لحظة مرضه في عبوديته لتنقذه من عذابه وتدخله مرحلة الاعتراف به بطلًا، فكانت بذلك ممثلة لميلاد جديد لابن الملك المريض.

وأوضح المؤلف أن (البطل المصاحب) يدخل في بناء كل السير الشعبية. قد يكبر أو يصغر دور هذا البطل المصاحب، ولأنه يلعب دوراً مهماً في السيرة، يفضل الكاتب استخدام مصطلح البطل المصاحب، وليس البطل المرافق. وهناك قلة قليلة كانوا بلا رفقاء؛ فالزير سالم كان وحيداً في مواجهة أعدائه والصديق الوحيد قبل أن يبدأ رحلة الثأر هو همام اخو الجساس.. تحولت الصداقة إلى عداوة وانتهى إلى أن قتله ابنيه.

فيما يدخل نسب البطل في النسيج العام لبنية السيرة الشعبية. فقبل أن تتناول البطل ترسم صورة لميراثه العرقي والنفسي من خلال العناصر المكونة لهذا التراث، لأن البطل لا يقود جماعته من الهامش العرقي للجماعة، وإنما يقودها وهو من صلبها ومن أعرق أعراقها.

وقد وضحت في كل السير مرحلة الغربة والاغتراب، فمنذ لحظة ميلاد البطل وهو يعانى.. إلا سيرة حمزة البهلوان وفيروز شاه. وحتى تجيء مرحلة التعرف والاعتراف، التي تعد تتويجاً للصراع الذي يعيشه الطفل البطل، وبعدها يوضع اسمه في عالم البطولة.

الجدير بالإشارة أخيراً أن الكاتب أكد في خاتمة كتابه أن البحث لم ينته، وهناك جوانب أخرى متعلقة بميلاد البطل في السيرة الشعبية، في حاجة إلى المزيد من البحث.

 

 

 

الكتاب: مولد البطل في السيرة الشعبية

تأليف : د. أحمد شمس الدين الحجاجي

الناشر: هيئة قصور الثقافة- "القراءة للجميع" - 2010م

عدد الصفحات:237 صفحة

القطع: المتوسط