يتحدث غانغ بينغ في كتابه ( فنان الشعب ) عن بلاده عبر طفولته أثناء الثورة الثقافية التي استمرت عشر سنوات كاملة 1966-1976. ويروي صاحب السيرة أحداثا كثيرة تبدو أنها من صنع الخيال وليس من صميم الواقع.
اشتهر غانغ بينغ كأحد فناني الصين الكبار في فن الرقص. قدم إلى العاصمة الفرنسية باريس مع أول فرقة لبلاده لتأدية بعض العروض. ثم اختار فرنسا بلدا ثانيا لا يزال يعيش فيه. لقد حاز على لقب (فنان الشعب) في بلاده وتحت هذا العنوان بالتحديد يقدّم سيرته الذاتية وحكاية صعوده في كتاب.
عرف غانغ بينغ النور في بلاده الصين عام 1966، أي عند بدايات (الثورة الثقافية) التي قررها زعيم الصين آنذاك ماوتسي تونغ والتي استمرّت سنوات عديدة هلك خلالها الآلاف من الشباب الصينيين الذين كانوا قد تركوا مدنهم وتوجهوا نحو الأرياف لـ(رفع الوعي) لدى الفلاحين.
ويشير غانغ بينغ أنه ينحدر من أسرة فقيرة في أحد مناطق الصين النائية، وأن والديه كان يعملان في مهنة التمثيل مما كان له أثره الكبير لاحقا في توجهه نحو عالم الفن وهو يقول بهذا الصدد إنه (قبل أن يتعلم النطق والكلام كان يعرف الغناء). كذلك يشير في هذا السياق أن أبويه لم يحمّلا نفسهما عناء إعطائه اسم بل أطلق عليه رقما هو (بينغ) أي ما يعني (اثنين) باللغة الصينية.
وقد بقي الطفل آنذاك بدون اسم حتى بلغ الخامسة من العمر. وعند ذاك اقترحت معلمة المدرسة على أمه تسميته بـ (غانغ) أي ما يعني (الشجاع والصلب). كان ذلك الاسم ملائما كي يستطيع صاحبه فيما بعد (تنفيذ تعاليم ماو). لكن ذلك الطفل صعد بسرعة سلّم تعلّم فن الرقص واستطاع الانتساب إلى (أكاديمية الرقص) في بكين التي لم يكن يدخلها سوى أصحاب الحظوة أو أصحاب المواهب الكبرى.
أمضى (غانغ دينغ) أربع سنوات في أكاديمية بكين ثم تخرّج منها وأصبح سريعا أحد أكبر فناني جيله. وفي عام 1989، كان أحد الشباب الصينيين الذين تواجدوا في ساحة "تيننمان" الشهيرة عندما شهدت عمليات القمع الشهيرة الذي قامت به الدبابات وسحقت العديد من أولئك الشباب المحتجّين.
إن المؤلف يوصف القمع الدموي الذي عرفته ساحة تيننمان في ذلك اليوم. لكن كل ما قاله في ذلك يبدو أقل قسوة من تلك الصفحات الأخرى المكرّسة لوصف عملية (إجهاض قسري) مورست من قبل السلطات المختصة على موظفة في مكتبة أكاديمية الرقص في بكين. ذلك عندما كانت في شهرها الثامن من الحمل. لقد طبقت السلطات عليها القوانين الخاصة بتحديد النسل بطفل واحد لكل أسرة.
ومما يذكره المؤلف هو أن هناك عوامل عميقة تعود إلى طفولته البعيدة كانت وراء سلوكيته طيلة مسار حياته. وقد كبرت تلك العوامل معه ومفادها أنه كان على إيمان عميق بأن ماو تسي تونغ كان يمتلك قدرات خارقة تؤهله (لإلغاء الماضي وتغيير الفصول واختراع المستقبل). لكنه أدرك شيئا فشيئا أن الواقع لا يذهب في نفس الاتجاه.
ويشير المؤلف بأشكال مختلفة أن تلك التجربة (الخيالية) التي عاشها بكل جوارحه هي التي أتاحت له تقديم توصيف أفضل للتجربة السياسية (المجنونة) التي مثّلتها الثورة الثقافية.
وفي مثل هذا الإطار يتم رسم صورة لماو تسي تونغ بعيدة عن صورة القائد السياسي وقريبة من صورة (الملهم) كان كلام ماو هو الخلفية التي يتأسس عليها كل ما (يولد ويتحول ويزول). (الكلام) عن الحقيقة كان أحد تبديات النظام الشمولي التوتاليتاري- الذي تحتكر فيه الدول، ممثلة بالزعيم، كل شيء.
يتحدث المؤلف فيها عن (الشجارات) بين تلامذة بلدته الصغيرة وعن أمسيات (مسرح الشعب) وتلك الأحاسيس التي كان يعيشها وهو يحيي جمهوره. ولكنه لم يكن ينسى أبدا أن مهمته الرئيسية كانت إثبات هويته وإخلاصه لـ (الشعب) ولقائده. ويتذكر جهوده الكبيرة التي بذلها عندما تخرج من أكاديمية الرقص في بكين كي يصبح (فنانا في خدمة الشعب). (الأنا) لم يكن لها عمليا أي وجود، أو على الأقل لم يكن مسموحا إظهار أن لها أي وجود.
الكتاب: فنّان الشعب تأليف: غانغ بينغ
الناشر: غاليمار باريس 2011
الصفحات: 252 صفحة
القطع: المتوسط
Artiste du peuple
Gang Peng
Gallimard - Paris- 2011
252 p.