يتناول كتاب «مدارس القدس ومكتباتها» لمحمد عيد الخربوطلي، الحياة التعليمية والدينية والتربوية في القدس، منذ أيام الدولة الفاطمية وحتى أيامنا هذه، وذلك من خلال الحديث عن مدارس القدس وزواياها وخانقاتها وتكاياها ومكتباتها، وانتهاءً بما تفعله إسرائيل اليوم بمخطوطاتها وتراثها.
ويبين المؤلف أن الباحثين في تاريخ القدس لم يعثروا على مدارس عرفت قبل العصر الأيوبي، إلا مدرسة واحدة، أنشأها الفاطميون، خاصة أن مجالس العلم كانت تقام في المساجد وبيوت العلماء والكُتَّاب. أما عصر المدارس الحقيقي فقد بدأ في القدس بعد انتهاء الحروب الصليبية ودخول صلاح الدين الأيوبي إليها.
ويبدو أن انتشار المدارس والمكتبات بكثرة في القدس يعود في بداية الأمر، إلى اهتمام صلاح الدين نفسه بهذا الأمر. ذلك أنه وفور استقرار الأمر للمسلمين، لجأ إلى تحويل كنيسة حنة أم مريم إلى مدرسة سماها المدرسة الإصلاحية، كما بنى المدرسة الحنفية بجدار المسجد الأقصى خلف المنبر.
ومن بعد الأيوبيين أتى المماليك الذين أمتاز عصرهم بالعمران والحركة الواسعة في البناء، وكان نصيب المدارس والمكتبات ملحوظاً، بل ان المؤلف يجعل من هذه المدارس دليلاً على ازدهار الحياة الثقافية والعلمية في تلك الفترة. والملفت للانتباه أن تلك المدارس والمكتبات ودور العلم كانت تشاد بتمويل من «أهل البرِّ والإحسان» أكثر مما كانت تمول من قبل الدولة.
وتعد المدرسة الأشرفية والأفضلية والأرغونية والأباصيرية والأمينية، من أشهر مدارس القدس. أما ما يميز المدرسة الأشرفية التي بناها الملك الظاهر خشقدم، فهو موقعها داخل المسجد على ظهر الرواق الغربي، بالإضافة إلى مكتبتها الكبيرة وطرازها المعماري الرفيع.
أما مدرسة الأفضلية التي تقع بحارة المغاربة إلى الغرب من المسجد الأقصى، فيعود بناؤها إلى الملك الأفضل نور الدين، الذي أوقفها على فقهاء المذهب المالكي، حيث تحول قسم منها إلى دار يسكنها جماعة من الفقراء المغاربة، أما في العصر الحديث فقد هدمتها إسرائيل عندما هدمت حارة المغاربة للبحث عن «حائط البراق».
أما المكتبات فقد عرفتها القدس ابتداءً من أواخر القرن السادس الهجري، وذلك عندما بدأت تتضح ملامح جديدة لحركة الكتب والمكتبات في فلسطين بشكل عام. أما الأمر الملفت للانتباه فهو إنشاء المكتبات الخاصة، بالإضافة إلى المكتبات العامة، الأمر الذي سمح للمؤلف بمقارنة مكتبات القدس بمكتبة أبولون في روما ومكتبة السيرابيوم في الاسكندرية.
أما الميزة الثانية التي تتميز بها مكتبات القدس فهو تنوعها الديني، فبالإضافة إلى المكتبات الإسلامية كان هناك مكتبات مسيحية ويهودية. وقد اشتهرت من المكتبات المسيحية مكتبة الأسقف ومكتبة آوريجين بامفيلوس، التي احتوت على كتاب «مجموعة الدهور»، بالإضافة إلى مكتبة دير مارمرقش السريانية والتي تعد من أقدم المكتبات المسيحية.
أما أشهر المكتبات اليهودية فكانت مكتبة الجامعة العبرية ومكتبة بلدية زمّارين، بالإضافة إلى مكتبة هارون ارتسون ومكتبة أورشليم، وحديثاً ظهرت مكتبات جامعة تل أبيب ومكتبة المتحف الإسرائيلي. وتعود كثرة المكتبات اليهودية وغناها إلى اهتمام اليهود عموماً بالكتب والتراث التاريخي لفلسطين، وحرصهم على نشر تعاليم الدين اليهودي بين اليهود.
كما تميزت القدس بزواياها وخوانقها. والزوايا مكان للعبادة يجمع بين الاعتكاف والتدريس وممارسة الطقوس الدينية، حتى أن بعضها يتحول إلى مدارس والعكس صحيح أيضاً. وقد عرفت القدس، كغيرها من مدن العالم الإسلامي الكثير من الزوايا، ومنها ما اندثر فلم يعد له ذكر ومنها مازال قائماً حتى اليوم.
أما خوانق القدس، فهي عبارة عن بيوت للصوفية ينقطع فيها الناس للصلاة والتعبد، وقد تكون في بعض الأحيان مساجد ولكن فيها غرف مرفقة بالمسجد للفقراء والمتصوفين. والخانقاه لا تقام فيها صلاة الجمعة وليس فيها لا مآذن ولا منبر للخطب، وإنما يقتصر الأمر فيها على التعبد وبعض الدروس الدينية. ومن أشهر خوانق القدس هناك، خانقاه الصلاحية والفخرية وسنجر التي تقع عند باب شرف الأنبياء الواقع شمال الحرم القدسي.
الكتاب: مدارس القدس ومكتباتها
تأليف: محمد عيدالخربوطلي
الناشر: وزارة الثقافة السورية الهيئة العامة السورية للكتاب 2011
الصفحات: 285 صفحة
القطع: الكبير