برغم وفاته قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير بأكثر من ثمانية أشهر، وتحديدا في الرابع من مايو 2010، طاف الكاتب المصري الساخر محمود السعدني في كتابه (مصر من تاني)؛ بأوجاع المصريين، وأحوال الحكم في مصر، وكيف تنقلب بروتوكولات النفاق الرئاسي رأسا على عقب فور سقوط الحاكم.
وأشار في كتابه الذي يستعرض تاريخيا أوضاع الحكم في مصر على مدى مئات السنين، إلى أن نمط الحكم العربي يجعل من الخليفة أو الوالي أو السلطان ملكا معصوما، فلا يسمح لأحد بانتقاده وهو حي يرزق، مسموح للجميع بأن يبالغوا في مدحه، وفي حصر مآثره، وفي تسليط الضوء على مواهبه الفذة في الحكم وكيف يتسم بالعبقرية اللامحدودة.. وهكذا تدور الأسطوانة على هذا الوجه ما دام الحاكم أو الرئيس حيًّا؛ فإذا مات أو سقط النظام، قلبوا الأسطوانة على الوجه الآخر، وهو دائما عكس الوجه الأول.
وبينهما مسافة لا تقل بعدا عن المسافة بين الأرض والمريخ! وأوضح السعدني أنه لهذا السبب فكر في أن يلقي نظرة على تاريخ مصر مرة أخرى، نظرة رجل من الشارع غير متخصص وغير (كمساري)، وعلى غير علاقة رسمية بالتاريخ، معيدا النظر مرة أخرى ـ وفي هدوء ـ على التاريخ كله، بعد أن مات الخلفاء والسلاطين والأمراء والرؤساء والكمسارية البصاصون، محاولاً جرد التاريخ من السلطة .
ومن أبهة الحكم ومن أجهزة المباحث والمخابرات. وأشار إلى أن الفرق بينه وبين المؤرخين الكمسارية (محصلي التذاكر)، أن مصر في نظر المحترفين هي سلسلة طويلة من الأمراء والملوك والسلاطين، لكنها في نظره مجموعة متصلة من الأجيال والصيّع وأصحاب الحاجات والمتشردين.
أضاف السعدني أن مصر في زمن السلاطين لم تكن قلاوون أو قطز أو عز الدين أيبك التركماني أو علي بيه الكبير، لكنها كانت الزعر والحرافيش والحشاشين.. ومصر في أيام عبد الناصر لم تكن هي الرئيس ونوابه ومدير المخابرات وأجهزة الاتحاد الاشتراكي، لكنها كانت العمال والفلاحين والرأسمالية الوطنية والجنود والمثقفين.. ومصر في عهد السادات لم تكن هي الرئيس أو زعماء المنابر، أو تجار الشنطة وأصحاب بوتيكات الشواربي وأصحاب الكباريهات ورواد الحانات، لكنها كانت أيضا هي ملايين الشحاذين والمتسولين والذين يعانون المرض وخيبة الأمل والجوع.
وأكد أن عادة تملق الحكام ومن ثم الهجوم عليهم فور رحيلهم عن الحكم عادة متأصلة، (عندما انهزم عبدالله بن الزبير نعتوه بأحط النعوت، ووصفوه بأحقر الأوصاف، وعندما قتل الحاكم بأمر الله رموه بالجنون، وأشاعوا أنه حال بين النساء وارتداء الكعب العالي، وأنه حرم أكل الملوخية، وأنه أمر الناس بالعمل ليلاً والنوم نهارا، مع أنه كان واحدا من أعظم من حكموا مصر.
وفارسا من فرسان الفكر، ودرويشا من دراويش الحياة). غير أن السعدني وكأنه يقرأ من خلال معايشته لنظامي عبد الناصر والسادات النهاية التي آل إليها نظام مبارك أيضا، مؤكدا أن أعظم ميزة في الزمن القديم هي تكافؤ الفرصة بين السلطة والثوار، موضحا: (لم يكن لدى الخليفة الذي يحكم إمبراطورية من مباحث أمن الدولة ولا المخابرات العامة، ولا القناصة والمخبرين، ولا شرطة طوارئ وإرهاب، لا شيء على الإطلاق إلا ما يسمعه من رجال الحاشية، وقد لا يسمع الخليفة بثورة ضده إلا إذا دقّت بابَ الخليفة نفسِه).
وطاف السعدني بأحوال الحكم في مصر منذ الحكم العباسي، متوقفا عند تولي أحمد بن طولون مقاليد الحكم، لافتا إلى أنه كان طموحا وفارسا وحاكما بالموهبة، ومقاتلاً بالغريزة، ورأى أن مدينة (الفسطاط) عاصمة الدولة العباسية في مصر لا تتسع لإصلاحه، فهجرها وأقام عاصمة أخرى على مقربة منها هي مدينة (القطائع)، فسرعان ما هجر المصريون مدينة (الفسطاط) وازدحموا حول (القطائع)، متوقفا أيضا عند ظاهرة فريدة يؤكد أنها تستحق الدراسة.
وهي أن الحياة دائما للأقوى، والولاء دائما للحاكم الجالس على أريكة الحكم هذه اللحظة، والخضوع للراكب الآن في عربة السلطة، أما الذين مضوا وذهبوا فليرحمهم المولى، وقد يكون هذا موقفا مشتركا بين شعوب كثيرة وأجناس شتى، فطبيعة الأمور أن دين الناس لمن بيده السلطة، غير أن الموقف من مدينة (الفسطاط) مختلف، لقد هجر الناس العاصمة عندما ابتعد عنها الحاكم، فالحاكم هو العاصمة؛ لأن العاصمة ليست منازل وقصورا ومدارس وفنادق وأسواقا، العاصمة هي النفوذ، فإذا ابتعد عنها النفوذ ساروا وراءه!
وأنهى السعدني كتابه بالحديث عن ثورة 23 يوليو 1952، مؤكدا أنها فاجأت الجميع، فاجأت الملك الذي كان يثق ثقة مطلقة في قائده العام محمد حيدر باشا، وفي عينه داخل الجيش حسين سري عامر، ثم اكتشف الملك في صباح الثالث والعشرين من يوليو أن نصف مخابراته أعضاء في تنظيم الضباط الأحرار، وأن النصف الآخر كان مستغرقا في اللذة حتى النخاع.
وبالطبع، لم يطل عمر المؤلف ليقارن لنا بين ما حدث في 23 يوليو 1952، وما حدث مع نظام مبارك في 25 يناير 2011، وهذه المقارنة متروكة للقارئ نفسه.
الكتاب: مصر من تاني
تأليف: محمود السعدني
الناشر: دار الشروق القاهرة ــ مصر
الصفحات: 166 صفحة
القطع: المتوسط