حسب رأي أزاد أحمد علي في كتابه (أنماط العمارةُ الطينية في الجزيرة الفراتية) أن العمارة الطينية هي كل عمارة تتكوَّن من المواد الترابية بنسب محددة؛ وبالتالي هي مجموع الأبنية والمشيَّدات التي تتكوَّن مادَّة بنائها من الطين غير المعالج بالطرق الصناعية؛ والتي اعتمدت في ترابط وتماسك وتصلب مفرداتها المعمارية وعناصرها الإنشائية على التجفيف تحت الشمس. والمقصود بالجزيرة الفراتية هي الرقعة الجغرافية التي تقع بين نهر الفرات جنوباً وغرباً والحدود التركية شمالاً، وكذلك الحدود العراقية شرقاً ونهر دجلة في الشمال الشرقي.
وتشير المعطيات التاريخية والتنقيبات الأثرية الحديثة إلى أنَّ الجزيرة الفراتية تتسم بخصوصية وأولوية الجذر الحضاري والعمراني للعالم بأسره؛ حيث ظهر في ربوعها أول المساكن الطينية، وفيها تبلور أول التجمعات السكنية؛ وكذلك القرى الأولى، وبالتالي بدايات التحضر في نهاية المطاف. لقد كانت هذه المنطقة من البقاع الأولى على الكرة الأرضية التي انحسر عنها الجليد في الحقب الجيولوجية القديمة.
وكانت من أولى المناطق التي توفر فيها المناخ المناسب لحياة برية زراعية؛ وشكَّلت البيئة الطبيعية للإنسان الأوَّل. فقد بدأت فعاليات الإنسان الاجتماعية منذ حوالي عشرين ألف سنة، وتشكَّلت التجمعات السكنية الأولى منذ حوالي 11 ألف سنة، في المرحلة النطوفية على ضفاف الفرات الأوسط.
وعلى الرغم من أنَّ وجود الإنسان الأوَّل مثبت قبل هذه الحقبة؛ لتوفر دلائل على هذا الوجود الموغل في القدم؛ فقد بدأت فترة انتقالية منذ مئتي ألف سنة حيث حل إنسان النينتندرتال مكان الهمو- اركتوس؛ وكان النينتندرتال صياداً وجامعاً للثمار البرية مثل سلفه لكنَّه أكثر تطوراً من الناحية الفيزيولوجية والحضارية.
يأخذ أزاد علي عمارة (حلف) ويرى بأنها عمارة طينية حصراً اعتمدت على النموذج الدائري في مخطط المسكن-الكوخ. كما أنَّها أدخلت المسكن الوحدة الإنشائية ذات المسقط المستطيل؛ وأدمجته في الشكل المستدير في صيغة اتحاد وظيفي معماري جديد.
يعتبر "جان كلود مارغرون" أن أوَّل استخدام للمواد المعدنية قام به الإنسان هو أثناء حصوله على الكلس والجص وذلك بواسطة فعل النار؛ إذ لا بد من حرق الأحجار الكلسية للحصول على الكلس، وكذلك يتم الحصول على الجبصين عن طريق حرق الحجر الجبسي.
ويعتبر اكتشاف الكلس والجبصين محطة رئيسية في السيطرة على تقنيات تحويل المواد للاستفادة منها في المساكن وفي الحياة المعيشية اليومية، وهو مؤشر على التطور التقني لدى سكان الشرق الأدنى، ولقد حدث هذا التطور والتحول التقني في مجال مواد البناء في الجزيرة الفراتية والأناضول بين أعوام 7600-5600ق.م.
وعلى الرغم من رسوخ البناء - كما يقول المؤلف - باللبن الطيني حصراً في الجزيرة الفراتية، كانت هناك استثناءات من هذه القاعدة. وذلك تحت تأثير عوامل بيئية وجيولوجية وطبوغرافية، حيث توافر الحجر في المناطق الشمالية من الجزيرة وعلى سفوح الجبال، وفي بعض المناطق على ضفاف الفرات.
ولكن كما يبدو كان للعوامل السياسية التي انبثقت عنها ثقافة حضرية وعمرانية مختلفة ذات تأثير على مدى ظهور العمارة الحجرية المرادفة للعمارة الطينية في بعض المواقع. فبعد التقدم في تقنيات البناء وتطور الأدوات وكذلك القوى العاملة، وازدياد مهارتها ظهرت مواقع للبناء بالحجر،خاصة الأطراف الشمالية من الجزيرة الفراتية، وعلى سفوح جبال طوروس قرب مقالع الحجر.
ولقد أظهرت بعض التنقيبات الأثرية عن منشآت حجرية خاصة في أساساتها ومداميك البناء السفلية منذ أواسط الألف الثانية ق.م، كما هو مكتشف في السنوات الأخيرة (2005-2006) في موقع موزان خاصة في مداخل وسور المعبد البيضوي الضخم، وقد تفاعل هذا الإرث التاريخي للبناء بالحجر مع الثقافة الهيلينية - الرومانية الوافدة إلى المنطقة المعتمدة على طريقة البناء بالحجر والجص، حتى ساد نمط البناء - الروماني اليوناني في كثير من الحواضر في مراحل لاحقة. إلا أنَّ بعض المواقع التي ظهر فيها البناء بالحجر بالترافق مع اللبن الطيني تتطلب الاهتمام وذلك لمعرفة خلفيتها العمرانية.
ومع مجيء الإسلام لم تتشكَّل في الجزيرة الفراتية مدنٌ جديدة بالسرعة التي حدثت في جنوب بلاد الرافدين، على إنَّه تمَّ إنشاء مدينة (الكوفة) التي ربَّما لم تكن هناك حاجة عسكرية وإدارية لذلك، وإنما استمرت الحياة في المدن السابقة.
ولقد كان الإسلام في مطلعه دعوة دينية وروحية محضة، ثم أخذت الدعوة بعداً عسكرياً وإدارياً لاحقاً. ومع استمرار النخب العربية الإسلامية الحاكمة في المدن والبلدات واستلام إدارتها، ارتسمت ملامح جديدة لعمران الجزيرة، وبدأ العمران يأخذ طابعاً إسلامياً، إذ تراجع بناء المنشآت العامة بمادة الطين أولاً, وذلك نتيجة التأثر بالسياسات العامة في الدولة العربية- الإسلامية.
وتراجع دور البلدات والمدن التاريخية في الجزيرة الفراتية، وعدم استحداث مراكز إدارية جديدة ثانياً، فقد تحولت هذه السهول من جديد إلى مناطق صراعات ونزاعات بين السلطات، بدأ من عهد الخلفاء الراشدين وحتى اجتياح المغول لها. لأنَّ وجود العمارة الطينية وانتعاشها وتطورها التقني مرتبطان بسياسة الدولة العمرانية؛ بقدر ارتباطهما بالتقاليد الموروثة والخبرات المحلية.
الكتاب: أنماط العمارة الطينية في الجزيرة الفراتية
تأليف: د.أزاد أحمد علي
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق2010
الصفحات: 312 صفحة
القطع: المتوسط