عملت جويل بورجوا سفيرة لفرنسا في جمهورية جنوب إفريقيا خلال فترة دقيقة من تاريخ هذه البلاد، ذلك أنها كانت قد عرفت خروج أقدم سجين في العالم، أي نيلسون مانديلا من السجن وحتى إعلان الاستقلال برئاسته عام 1994. هذه السنوات الخمس هي بالتحديد موضوع كتاب السفيرة الفرنسية تحت عنوان: «خمس سنوات مع مانديلا».
يروي الكتاب في الواقع قصة «حب مزدوج»، فمن جهة يحكي عن «مشاعر الحب» التي حملتها المؤلفة- السفيرة للبلاد التي مثّلت فرنسا فيها، أي جنوب إفريقيا، ومن جهة ثانية يحكي مشاعر الحب التي حملها رجل لبلاده، هذا الرجل اسمه نيلسون مانديلا، وكان عمره عندما التقت به المؤلفة، كما تشير، 71 عاما وتصفه بـ»الطويل والجميل والأنيق». وكان مانديلا قد خرج للتو من سجنه الطويل.
وتشرح المؤلفة أنه قامت بينها من موقعها كسفيرة، وحيث كانت السفيرة الأولى في السلك الدبلوماسي الفرنسي آنذاك، وبين الزعيم الإفريقي «المحبوب» علاقات ثقة قديمة. وهي تصفه بالرجل الذي «أراد أن يعيد لشعبه ما كان قد حرمه التاريخ منه»، وكما كان يردد هو نفسه.
وتقول المؤلفة- السفيرة أنها وجدت نفسها من خلال موقعها الوظيفي وعلاقتها الشخصية القوية مع مانديلا بمثابة «المشاهد» على فترة التحوّل الكبرى التي عاشتها جنوب إفريقيا الباحثة آنذاك عن «سبل الخروج» من نظام التمييز العنصري الأبيض آنذاك عن «سبل الخروج» من نظام التمييز العنصري الأبيض الذي أثقل على البلاد لفترة طويلة.
ما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن مانديلا أراد أن «يتجنب حدوث حمامات الدم» بأية وسيلة كانت. لذلك لم يتردد في «التفاوض» مع طغاة الأمس من رموز النظام الأبيض العنصري. ذلك رغم المعارضة الشديدة التي أبداها العديد ممن كانوا حوله من «رفاق الطريق». ولم يكن أقل أولئك الذين اعترضوا على ذلك النهج زوجته «ويني».
من الصفات التي تؤكّد عليها المؤلفة في شخصية مانديلا هناك «تسامحه» الكبير. هكذا لم يتردد عندما افترق عن زوجته التي انتظرته طيلة سنوات السجن في الدفاع عنها بكل قوّة حين واجهتها تهمة ارتكاب جريمة قتل. لم يكن هناك ما يمكن أن يُبعد مانديلا عن الأهداف التي كان قد حددها لبلاده.
وفي مقدمة تلك الأهداف أن يتصرف بطريقة يمكن معها لأبناء جنوب إفريقيا الذين مزّقتها صراعات الماضي وباعدت بينهم أن يعيشوا ويتعايشوا على نفس الأرض. وليس أن يتعايشوا فقط ولكن يتمتعوا بنفس الحقوق والواجبات، على قدم المساواة.
ومن الصفات الأخرى التي تؤكد عليها المؤلفة في شخصية مانديلا «روحه المرحة». وهي تروي الكثير من التفاصيل عن تلك الأوقات التي أمضتها إلى جانبه في حديقة منزله بعاصمة جنوب إفريقيا «جوهانسبورغ» وهو يكرر الدعابات أو يتحدث عن أحفاده وعن حكاياته مع «خصوم» أراد جذبهم إلى صفه أو آخرين أراد «إقصاءهم».
وإذا كانت المؤلفة تتحدث في كتابها عن نيلسون مانديلا وما عرفه من خيبات أمل ومن مآسي شخصية، فإنها تكرّس العديد من الصفحات للحديث عن دورها في تلك الفترة كسفيرة لبلادها. وتؤكّد على حرصها خلال فترة تواجدها كلها في جنوب إفريقيا إلى أن تشرح لزائريها حقيقة ما كان يجري في تلك البلاد. الأسماء التي توردها عديدة ومن بينها آلان جوبيه، وزير الخارجية الحالي، وادوار بالادور ولوران فابيوس ودومينيك ستروس كاهن وغيرهم.
وتصف المؤلفة أحداث تلك الزيارة، زيارة الدولة، التي قام بها الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران إلى جنوب إفريقيا مشيرة بالوقت نفسه أن نيلسون مانديلا كان يحمل باستمرار تقديرا خاصا للمواقف التي كان ميتران قد أظهر فيها وفاءه له ولقضية بلاده.
كما تؤكد في هذا السياق أن مانديلا الذي كان قد عمل على تحسّن العلاقات بين بلاده وفرنسا، ذلك خاصة أنه كان يتم النظر إليها، أي إلى المؤلفة-السفيرة، من قبل الكثير على أنها «تلعب لمصلحة البيض الذين كانوا في السلطة. كنت امرأة بيضاء في الخامسة والأربعين من العمر ولا يبدو أنها كانت تفهم ما يجري أو أن لها صورة سفيرة»، كما نقرأ. وحيث تؤكّد بأشكال مختلفة قولها: «لم يكن يُنظر لي كرفيقة عند وصولي».
ولعل الأهمية الكبرى لهذا الكتاب تكمن في أن المؤلفة ترسم فيه صورة «أكثر قربا» لأسطورة مانديلا، هذا الرجل ذو الصفات الاستثنائية التي سمحت له أن «ينقذ بلاده من الفوضى عام 1993 بعد اغتيال الزعيم الأسود كريس هاني من قبل أحد المتزمتين البيض».
وتؤكد المؤلفة أن مانديلا «سيطر عندها على الأمور» وحافظ على برودة أعصابه ولم يضع أبدا من رؤيته الهدف الأسمى المتمثل في «الحرية للجميع».إن جويل بورجوا لا تصف فقط دقائق من حياتها في جنوب إفريقيا، لكنها تصف أيضا جنوب إفريقيا خلال مرحلة المخاض الكبير الذي عاشته تلك البلاد التي «أحبّتها».
وترسم صورة «عن قرب» لنيلسون مانديلا البالغ من العمر اليوم 93 سنة والذي «أعطى كل شيء للبلاد التي اخترعها.بكل الحالات تصف المؤلف جنوب إفريقيا أنها بلاد «ليست كغيرها»، وهي بذلك على صورة زعيمها الأسود الذي هو الآخر «ليس كغيره».
الكتاب: خمس سنوات مع مانديلا
تأليف: جويل بورجوا
الناشر: روبير لافون باريس2011
الصفحات: 255 صفحة
القطع: المتوسط
Cinq ans avec Mandela
Joëlle Bourgeois
Robert Laffont - Paris- 2011
255 p.