تبين الباحثة نادية الفيصل في كتابها ( مدينة الرقة ) دورها الحضاري في العصر العباسي، فقد كانت من أهم مدن الجزيرة الفراتية التي ازدهرت في ذلك العصر ، وبلغ العمران فيها شأناً لم تعهده في العصور السابقة، ولا سيما بعد أن شيّد الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة الرافقة على أرضها والتي اندمجت مع الرقة فيما بعد وأصبحتا مدينة واحدة غلب اسم الرّقة عليها.
تُّعرف كلمة الرّّقّة ( بفتح الراء وتشديد القاف ) في المعاجم اللغوية : بأنها كل أرض إلى جنب وادٍ منبسط عليها الماء أيام المدّ ثم ينحسر عنها فتكون مكرمة للنبات، فهي رقَّة ؛ ومن المعروف عن مدينة الرَّقة بأنها ذات تربة خصبة بدليل أنها كانت مصدراً للمؤن إلى كثير من البلاد بسبب وفرة زراعتها.
كما تتميز بتنوع محاصيلها الزراعية وبجودة مراعيها التي تبلغ مساحات شاسعة. كان للطبيعة الجغرافية لمدينة الرَّقة دور في ازدهارها الحضاري ، فقد كانت مركز تجمّع للسكان منذ العصور الحجرية القديمة ، فقد استخدمها الحثيون للملاحة ، ونقلوا سلعهم إلى بابل والخليج العربي والهندي، وفي العهد الآرامي شكلت الرّقة حلفاً ضد الدول المجاورة ، ونحو منتصف القرن التاسع قبل الميلاد اكتسح الآشوريون الإمارات الآرامية وسيطروا على بلاد ما بين النهرين وفرضوا عليها الجزية.
وكان للسريان دور مهمّ فيها عندما قاموا بالترجمة من السريانية إلى العربية ، أشهرهم بولس أسقف الرقة ، ومن مؤلفاته رسالة إلى أساقفة ما بين النهرين . ومن الكتاب السريان يوحنا بن قرصوص وكان من المشايعين لأصحاب الطبيعة الواحدة ، ومن تلامذته يوحنا الإيسوري الذي كتب عن سيرة ابن قرصوص في كتابه سير الآباء الشرقيين .
بدأت فتوح الجزيرة الفراتية ، وضمنها الرّقة، زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وذلك سنة 18 هـ/63 م، وظهر التواجد الإسلامي في مدينة الرّقة بعد دخول العرب المسلمين إليها ، وعندما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان سنة 23 هـ/643 م ، أصبحت الرّقة والشام والجزيرة وثغورها تحت حكم معاوية بن أبي سفيان الذي عيّن والياً عليها من قبل الخليفة عثمان .
فتميز حكمه في تلك الفترة بالهدوء، حيث استتب الأمن بالجزيرة ، ونزلت جماعات من مضر في الرّقة ، وهاجرت جماعات من الكوفة والبصرة بعد موقعة الجمل ونزلت فيها ، وأصبحت فيما بعد مسكناً للخلفاء الأمويين، ثم العباسيين ، فكانت محطة مهمّة للقضاء على المناوئين وسوقاً غنية تتموّن منها الجيوش .
تمتعت المدينة بمناخ متميّز من خلال وقوعها على نهر الفرات، وكذلك وقوع المنطقة على خط عرض 36 وطول 63، مما جعل الحرارة لطيفة في فصل الصيف ومعتدلة في فصل الشتاء . وقد استهوى هذا المناخ العديد من الخلفاء العباسيين الذين قصدوها للراحة والاستجمام .
وكان الخليفة هارون الرشيد أكثر الخلفاء العباسيين إقامة في مدينة الرّقة ، فقد كانت تمثل لـه العاصمة الصيفية ، فقد كان يقول : الدنيا أربعة منازل، قد نزلت ثلاثة منها : إحداها مدينة الرّقة والأخرى دمشق والري والمنزل الرابع سمرقند الذي لم أنزله .
وكان يقوم مع أخيه إبراهيم على شواطئ نهر الفرات عند إقامته بالرقة ، حيث كان يستمع للغناء والشعر على أضواء الشموع . وكان إعجاب الخليفة المأمون بمدينة الرّقة كإعجاب والده الرشيد بها . حتى إنه كان يقول : عين الشام دمشق ، وعين الروم القسطنطينية، وعين الجزيرة الرّقة ، وعين العراق بغداد . وكان الخليفة المتقي يأتيها لغرض الراحة ، وكان يستمع فيها لأخبار الأولين وبطولات العرب ، ويرى فيها حلبات سباق الخيل ، ويتنزه بزورق في النهر، وكان يحضر معه الندماء والمغنين . والخلفاء الذين جاؤوها اتخذوها ملجأ لإيوائهم هرباً من البطش والقتل بسبب اضطراب أوضاع الخلافة في تلك الفترة .
ومن أقدم القبائل العربية التي سكنت الرّقة قبيلة مضر العدنانية ، و بنو نمير و بنو عقيل و تميم و كلاب . ولا يخفى أنّ لهذه القبائل دوراً كبيراً في نقل تراثها وتقاليدها وعاداتها .
تنوّعت سبل اهتمام الخلفاء العباسيين بالعلماء في مدينة الرّقة ، فالخليفة هارون الرشيد كان يجتمع بهم ويستأنس بآرائهم ، وكان بلاطه بالرقة يؤمه العلماء والأدباء والفقهاء والنحاة ، أمّا الخليفة المأمون فهو الآخر يصطحب النحاة والأدباء ، أمثال المبرد ، والمعتصم يصطحب الشاعر أبو تمام ، وكان للأدباء والشعراء حيز كبير في مجالس الحمدانيين ، ومنهم الشاعر الصنوبري .
كذلك في النحو ، فقد برع كثير منهم فيه ، فكان محمد بن حسان الضبي ، المبرد ، ومحمد بن جعفر ، وفي الشعر نبغ منهم الشاعر ربيعة الرقي ، الذي لقب بالغاوي، وربمّا جاءه ذلك من لهوه مع الجواري والغزل بهن ، أيام صباه، والخليع الرّقي، والعباس بن الأحنف ، وغيرهم .
وفي علم الطب ظهر في الرّقة كثير من الأطباء الماهرين، أبرزهم : أبو بكر محمد بن خليل الرّقي، وعيسى الرّقي ، وثابت إبراهيم . ومن علماء الفلك الذين لهم شهرة في مدينة الرّقة أبو القاسم الرّقي والبتاني، وفي علم التاريخ نجد أبو علي سعيد القشيري الذي صنف كتاب تاريخ الرقة في ثلاثة أجزاء ، وفيه معلومات عن تاريخ الرّقة ومن فتحها ، وتعرض لولاتها وقضاتها ومن سكنها من الخلفاء الأمويين والعباسيين حتى بداية القرن الرابع للهجرة .
الكتاب: مدينة الرّقة
تأليف: نادية محسن عزيز الفيصل
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2010
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط