معروف عن الولايات المتحدة الأميركية أنها "أمة من المهاجرين". وقد فرض المستوطنون البيض القادمون من أوروبا خاصة تميّز الرجل الأبيض على الأميركيين الآخرين. مثل تلك الحركة في "التمييز العنصري" استمرت دون مقاومة كبيرة منذ فترة التأسيس وحتى الحرب العالمية الثانية. ومقابل أميركا كـ"أمة من البيض" تطرح غراس اليزابيت هال، الأستاذة في جامعة فيرجيني مفهوما آخر هو "أمة من الغرباء" وتقصد بذلك القادمين من الخارج على المجتمع الأميركي التقليدي، كما يقول عنوان كتابها الجديد.
وتشرح المؤلفة في هذا الكتاب أن الأميركيين أرادوا بعد الحرب العالمية الثانية الابتعاد عن مفاهيم "التفوق العنصري" السائدة ورفض "التيار السائد" كي يعيشوا كـ"وافدين" من الخارج. بتعبير آخر فضّلوا صورة الظهور كـ"هامشيين" بالنسبة للمجتمع المحافظ وقيمه التقليدية.
لم يكن الأمر يتعلق بمجرد "صرعة" جديدة هامشية في المجتمع الأميركي. لكن المؤلفة تؤكّد أن مثل تلك الانفعالات والتعلق ببعض الرموز "الخارجة على التقليد" في مجال نشاطاتها لاقت أصداء كبيرة وحقيقية لدى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الأميركية ممن "قطعوا" مع تاريخهم نفسه، بالصيغة الأميركية الرسمية، كي "يجدوا أنفسهم" في صورة أولئك الفنانين وغيرهم.
رغم أن هؤلاء "الرموز" لا يملكون أية امتيازات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية. تميّزهم الوحيد هو أنهم يمتلكون "ثروة ثقافية" ويثيرون المشاعر بانتمائهم إلى وسط "لا مكان فيه للطبقة الأميركية" التي تتفاخر بأصولها وثرواتها ومواقعها على الخارطة السياسية.
إن المؤلفة تركز في شرحها على محاولة تفسير الأسباب العميقة التي دفعت شرائح كبيرة من الطبقة الأميركية الوسطى "البيضاء" إلى تصوّر نفسها أنها "غريبة" و"قادمة من الخارج" خلال النصف الثاني من القرن الماضي، العشرين. ما يتم التأكيد عليه هو أن الشرائح المعنيّة "اختارت" أن تعتبر نفسها غريبة عن المجتمع التقليدي المحافظ "الأبيض" ولم تلجأ إلى ذلك الموقف "مضطرّة" بدوافع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.
وتشرح غراس اليزابيت هال أن الظاهرة الحديثة الخاصة بقبول "ما هو قادم من خارج المجتمع" لها جذورها التي تعود إلى القرن التاسع عشر، ثم إن أميركا نفسها قامت على أساس حركة "تمرّد" وبالتالي من الطبيعي أن تقبل كل ما ينادي إلى "الحريّة". لكن المؤلفة تعيد "الفترة الجنينية" الحقيقية للظاهرة إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مع "الروك اندرول" و"موضة السترات الجلدية" و"تلوّي الفس برسلي" و"ظهور مجموعات البوهيميين والبانك"... الخ.
ولم تكن تلك الظاهرة "الحديثة على المجتمع الأميركي" مقتصرة على مجالات الفن والثقافة بمختلف تنوعاتها. لكنها وجدت ما يمثلها أيضا على صعيد الحركات السياسية والاجتماعية والعقائدية. هكذا غذّى "مثال الخارج" الكثير من الحركات ابتداء من "مجموعة الطلبة من أجل المجتمع الديمقراطي" وحتى "جيش المسيح".
ومن الأفكار التي يتم تأكيدها عن أسباب تعلّق الأميركيين بموسيقى الروك هو أن الأميركيين ينظرون عامة إلى الموسيقى وأنه "فعل يساعد على الحرية بطبيعته". لكن لقاء شرائح من الطبقة الوسطى البيضاء مع الموسيقى الإفريقية- الأميركية التي مثّلتها "الروك" دفعها للاعتقاد أن الأمر مختلف مما جذبهم إلى درجة أن الكثير منهم "وجدوا أنفسهم" في تلك الموسيقى "الوافدة" و"الوطنية" بالوقت نفسه.
وترى المؤلفة أن موسيقيين وفنانين من أمثال "الفس برسلي" كانوا يدركون تماما أبعاد ما يفعلونه. وأنهم لم يكونوا مجرّد "مقلدين" للتجارب الموسيقية ذات الأصل الإفريقي. والموسيقيون السود الذين نالوا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية شهرة كبيرة من أمثال "شوك بيرّي" كانوا يدركون "البعد التحرري" في موسيقاهم. ثم إن موسيقى "الراب" ارتبطت بأذهان الجميع على أنها "رفض" للواقع السائد ودعوة لـ"التمرّد".
وتصل المؤلفة في تحليلاتها إلى القول أن تعلّق الأميركيين بـ"ما هو وافد من الخارج" أطلق تيارين جديدين في الحياة السياسية الأميركية هما "اليسار الجديد" و"اليمين الجديد". كما ازدهرت في سنوات الستينات وحتى سنوات الثمانينات ما تسميه بـ"الثقافة المضادة، الهيبية" في مختلف المجالات.
وظهر التطرّف "يسارا" و"يمينا" حيث وصل الأمر ببعض المجموعات المسيحية إلى النظر للانفصال عن المجتمع وعن العالم القائم كعمل "إيجابي" يعيد إلى "منابع الصفاء الأصلية". بل إن مفاهيم مثل "الأصالة" و"الأمة" و"التقاليد العريقة" أصبحت مطروحة للنقاش العام.
في مثل ذلك السياق غدا "التمرّد" بمثابة سمة ثقافية تتعالى عن السياسة والطبقة والعرق بالنسبة لشرائح واسعة من الطبقة الوسطى الأميركية. شرائح "تطرّفت" يمينا ويسارا في رفضها للقيم السائدة. هذا ما تشرحه مؤلفة هذا الكتاب بالاعتماد على مصادر متنوعة ليس أقلّها الأدب والموسيقى والتلفزيون والصحافة.
الكتاب: أمة من الغرباء
تأليف: غراس اليزابيت هال
الناشر: جامعة أكسفورد - 2011
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسطة
A nation of outsiders
Grace Elizabeth Hale
Oxford University Press- 2011
P.