«اللعبة الكبرى» عنوان كتاب الصحافي والرحّالة بيتر هوبكريك. كان قد جرى نشره للمرّة الأولى قبل عشرين عاما. ولكنه يعود اليوم إلى الواجهة بطبعة جديدة أكثر ثراء وحيث كتب له الرحّالة والأخصائي بأفغانستان وآسيا الوسطى اوليفييه ويبير مقدمة طويلة ألقت أضواء جديدة على أحداث قديمة نسبيا لكنها لم تفقد راهنيتها بل أنها تلقي الأضواء على الحاضر. ذلك أن (اللعبة الكبرى) لا تزال مستمرة في آسيا الوسطى، مع إضافة لاعبين جدد، كما يشرح.
يؤكد المؤلف أن (في قلب الجبال المعزولة والصحارى الحارقة لآسيا الوسطى قام نزاع ملحمي في القرن التاسع عشر بين الإمبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية. تلك المواجهة عُرفت بتسمية: اللعبة الكبرى، ولا تزال نتائجها ماثلة حتى اليوم).
يروي المؤلف قصة (اللعبة الكبرى) التي تشكل كما نقرأ: (أحد أكثر الفصول خيالية في التاريخ الإنساني الحديث). ذلك من خلال (مغامرات) اللاعبين فيها من (ضباط شباب) من الطرفين، الإنجليزي والروسي، أرادوا أن يعيشوا (أحلامهم) بخوض مغامرة كبرى أو أن يحققوا (مجدا) من خلالها.
ومن كان يصدّق أن المتسوّلين الاثنين، بثيابهما البالية والجراح تغطي جسدهما الجالسين القرفصاء بمواجهة قصر حاكم (بخارى) ذات صباح من عام 1842، هما ضابطان لامعان في جيش صاحب التاج البريطاني؟ .أحدهما لم يكن، كما يشير المؤلف، سوى العقيد شارل ستودارت الذي كان قد أمضى ثلاث سنوات في آسيا الوسطى حيث لم يكن يعرف أحد مكانه. والثاني، الذي كان قد أتى للبحث عنه ونجدته، هو الكابتن (ارتور كونولي)، مخترع تعبير (اللعبة الكبرى) التي خلّدها فيما من كتبوا عنها.
هذان الضابطان البريطانيان جرى إعدامهما لاحقا وقبرهما يتواجد تحت حجارة الساحة التي يؤمّها سائحون كُثر يتوافدون على اوزبكستان اليوم. لقد دفعا حياتهما ثمنا لانخراطهما في تلك "اللعبة الكبرى" التي استمرت قرابة قرن من الزمن. وعلى مسرح يقترب كثيرا من مساحة قارّة.
كان رهان (اللعبة الكبرى) الأساسي هو (شبه القارّة الهندية). والمتصارعان كانا بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية. كانت الأولى تريد منع الثانية من التقدم في آسيا الوسطى. لكن مع الحرص على عدم إثارة (حرب مكشوفة) بين الجيوش والقوات المسلحة. كان (نزاعا وراء قناع) ومما يتم تشبيهه بـ (لعبة شطرنج) يستخدم كل طرف فيها كل (بيادقه). واستخدام المكونات والقبائل المحلية وجواسيس من كل صنف ولون.
(اللعبة الكبرى) تجابهت فيها قوتان كبيرتان في القرن التاسع عشر، لكنها جرت في أغلب الأحيان بين أفراد في منطقة (وسطى) بينهما هي (أفغانستان) التي كانت بمثابة (قاعدة متقدمة) لإقامة تحالفات واستطلاع مواقع (العدو) ورسم خرائط ومحاولة التعرّف على المسالك والشعاب والطرق في المناطق الجبلية الوعرة.
وإذا كانت (اللعبة الكبرى) قد دارت أساسا بين ضباط وجواسيس وأفراد فيما بينهم، فإنها عرفت مع ذلك دخول الجيوش البريطانية فيها ثلاث مرات. مرة أولى انتهت بكارثة فمن مجموع 16000 شخص من رجال ونساء كانوا قد تركوا كابل لم يصل سوى واحد منهم إلى الحدود. كان ذلك عام 1842.
الآخرون قُتلوا وهم على الطريق. وكان ذلك أيضا بمثابة الهزيمة الأولى التي تلحق بالإمبراطورية البريطانية في ما تُطلق عليه تسمية "العالم الثالث". وصلت (اللعبة الكبرى) إلى نهايتها نحو عام 1905 بهزيمة القيصر الروسي في اليابان. لكن المؤلف يؤكد أن (اللعبة) استمرت بـ (صيغة أخرى) مع لينين ورفاقه. لقد أصبحت روسيا أحد (مراكز الصراع) في العالم وبوجود لاعبين جدد ليس أقلّهم شأنا الولايات المتحدة وباكستان والهند والصين وإيران. كذلك برزت (رهانات جديدة)، مع الإشارة أنه تنبغي قراءتها على ضوء الرهانات السابقة. وبهذا المعنى أيضا يحتفظ هذا الكتاب براهنيته.
أما الذين شاركوا في اللعبة الكبرى فإنهم (موجودون فقط في يوميات لا أحد يقرأها)، كما تقول إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب. وهذا العمل عن (اللعبة الكبرى) تمكن قراءته كأحد نصوص أدب الرحلات، وذلك في وقت كانت الجيوش لا تزال فيه تزحف على ظهور الخيول والجمال.
الكتاب: اللعبة الكبرى
تأليف: بيتر هوبكيرك
الناشر: نوفيكاتا بروكسل 2011
الصفحات: 570 صفحة
القطع: المتوسطة
Le grand jeu
Peter Hopkirk
Nevicata ذ
Bruxelles - 2011
P.520