من المعروف أن الإنسان حاول أن يسيطر على الطبيعة بواسطة العلم والتكنولوجيات التي شكلت ثمرة له. لكن المعادلة انقلبت كي يصبح السؤال الآن هو كيفية سيطرة الإنسان على العلم والتكنولوجيات نفسها. هذه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيات شكّلت موضوع الاهتمام الأول للأستاذ الجامعي الأميركي بيتر هـ. كاهن الابن الذي خصّها بدراساته وكتبه، بما في ذلك كتابه الأخير الذي يحمل عنوان (الطبيعية التكنولوجية) ويدرس فيه (الحياة الإنسانية من زاوية تأقلمها ومستقبلها)، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
يحدد المؤلف القول ان هناك (توجهين عالميين) صاغا إلى حد بعيد الوجود الإنساني بالعلاقة مع الطبيعة. التوجه الأول يتمثل في التدهور الكبير لقسم هام من العالم الطبيعي، هذا إلى لم يكن تدميره الكامل. والتوجه الثاني تطوّر التكنولوجيات بشكل لا سابق له في التاريخ الإنساني على صعيد تقدّم التكنولوجيات وعلى صعيد انتشارها في جميع أصقاع العالم.
ويقدّم المؤلف نوعا من المقارنة و(الموازاة) بين ما يسميه (الطبيعة الحقيقية) و(الطبيعة التكنولوجية). ويصل من خلال هذا إلى دراسة (التداخل الثقافي) ودراسة (تطور العلاقة الإنسانية مع العالم الطبيعي). كما تحظى بالاهتمام دراسة (الآثار النفسية) لتغلغل البعد التكنولوجي في الطبيعة.
كما في مختلف الوسط المحيط بالتجربة الإنسانية اليوم. يتم التأكيد أيضا على وجود علاقات وثيقة بين الإنسان والطبيعة. وهناك دراسات تتم الإشارة لها ومفادها أن مجرّد النظر لفترة قصيرة من نافذة أحد المستشفيات إلى الطبيعة المجاورة يمكن أن يكون عاملا مساعدا في شفاء المرضى. وأن النظر من نافذة سجن، مهما كانت ضيقة، يمكن أن يقلل من حالات المرض لدى نزلائه. هذا إلى جانب وجود (سلم أولويات) في المفاضلة بين المشاهد الطبيعية، بحيث يفضل الناس عامة الطبيعة ذات الأشجار والخضرة والمياه على الطبيعة المزدحمة بالأبنية. ومن نافلة القول ان الحيوانات والنباتات والمجالات الجغرافية المفتوحة تلعب دورا هاما في حياة الأطفال.
القاعدة الثابتة الناتجة عن علاقة الإنسان بالطبيعة يتم تحديدها بكون ان كل ما يمس البيئة يمسّ بالتالي الكائنات البشرية. كذلك أن جميع الأنظمة الأخلاقية الداعية إلى حماية البيئة من التلوّث تجد صداها في المنظومات الأخلاقية المكرّسة لتنظيم نمط حياة البشر وسلوكياتهم.
وعلى صعيد الآثار النفسية البسيكولوجية - على الإنسان يتم الحديث بوجود نوع من التناظر في التأثير الذي مصدره الطبيعة الحقيقية أو الطبيعة التكنولوجية. هذا ما دلّ عليه موضوع تجربة قام بها المؤلف مع عدد من زملائه عندما قاموا بمشاهدة شاشة تلفزيون في غرفة مغلقة بدون نوافذ. وكانت النتيجة هي أن الشاشة التلفزيونية قامت بدور النافذة وأعطت (الطبيعة التكنولوجية) آثارا نفسية شبيهة تماما بها يمكن أن تثيره الطبيعة الحقيقية، ولكن ليس إلى درجة أن تكون بديلة عنها.
بالمقابل يلعب (العالم الطبيعي) الذي يعيش فيه الإنسان خلال فترة طفولته دورا مركزيا في تحديد الأبعاد النفسية لما يعتبره كل جيل (معيارا) على مستوى البيئة الطبيعية المحيطة. لكن هناك ظاهرة (فقدان الذاكرة) الخاصة بالبيئة، ذلك أن البشر (يتأقلمون)، أو على الأقل يميلون إلى (التأقلم)، مع حالة التدهور التي تصيب الطبيعة الحقيقية بالتوازي مع تنامي حضور الطبيعة التكنولوجية.
الوجه الآخر لـ (تردّي) العلاقة الإنسانية مع الطبيعة، بالتوازي مع بروز (الطبيعة التكنولوجية) وتغلغلها إلى الوعي الإنساني أكثر فأكثر، هو أنه ليس هناك (إدراك لواقع هذا التردّي نفسه).
وإذا كان من الصعب على البشر اليوم أن يواجهوا التحديات التي ساهمت التكنولوجيات الحديثة في خلقها مثل تبدلات المناخ على الصعيد الكوني رغم (إدراكهم) العميق لها و(وعي) مدى خطورتها، فإنه من الصعوبة أكثر مواجهة التحديات التي (لا يدركونها)، مثل مشكلة (فقدان ذاكرة الأجيال) للعلاقة الإنسانية مع الطبيعة الحقيقية والاكتفاء بـ (ما يشبه العلاقة) مع الطبيعة التكنولوجية الزاحفة.
الكتاب: الطبيعة التكنولوجية
تأليف: بيتر هـ. كاهن
الناشر: معهد ميزوشيست التكنولوجي 2011
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Technological nature
Peter H. Kahn
MIT- 2011
240 p.