يتطلع البشر دائما إلى ما هو أفضل، والمجتمعات الإنسانية عرفت طيلة مسيرتها التاريخية مثل هذا التطلع. وكان الفلاسفة قد تصوّروا ذلك في أدق التفاصيل، كما رسم أفلاطون في (جمهوريته) المثالية؛ وفعل الشعراء والمصلحون الاجتماعيون والفنانون من مختلف المشارب الشيء نفسه.
مثل ذلك التطلّع المثالي الذي لا يقوم على معطيات قائمة في الواقع بل هو أساسا نتاج المخيلة الإنسانية يطلقون عليه صفة (الطوباوي)، أو (اليوتوبي). والمؤرخ البريطاني غريغوري كليز، الأستاذ في المعهد الملكي بجامعة لندن، كرّس القسم الأكبر من جهده الأكاديمي للبحث في فكرة (اليوتوبيا) وتعريفها وتاريخها ومكانها في المسيرة الإنسانية.
وفي نفس الإطار يقدّم أيضا كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: (بحثا عن المثالي اليوتوبيا).إن المؤلف يبحث أولا في تأثير فكرة البحث عمّا هو مثالي (اليوتوبيا) في التاريخ البشري. وهو يسبر في بحثه مجاهل الكثير من (العوالم المثالية) التي ارتبطت بمختلف الأساطير المؤسسة للفكر الإنساني وفي عوالم جديدة ولكن أيضا في أسفار ورحلات من أجل الاكتشاف.
كذلك يبحث في عصر الثورات التي (أرادت تغيير العالم وصياغته من جديد بحيث يكون أكثر جمالا واكتمالا). دون نسيان أنّ هناك من أراد تحقيق (ما هو أفضل) عن طريق التقدم التكنولوجي، ولجأ آخرون إلى تجسيد نمط الحياة المثالية، المتطابق مع رؤيتهم للعالم، عبر العيش في مجموعات صغيرة معزولة عن (شرور) العالم الخارجي المحيط بهم.
ويحدد المؤلف ثلاثة ميادين تفعل فيها الشعارات المثالية فعلها بشكل خاص، وهي الأمة والإيديولوجيات والأدب. وفي هذه الميادين الثلاثة ينبغي أن تبدو المشاريع الطوباوية (قابلة للتحقق)، وبالتالي تتسم بقدر من (الواقعية) اجتماعيا، الأمر الذي يتطلب بدوره (ترك فسحة) من أجل التعديل والتغيير والتطوير، وحتى إمكانية طرح آراء مخالفة.
وينقل المؤلف عن المفكّر (توماس مور) إلحاحه على فكرة (إمكانية المراقبة) في إطار المشاريع الطوباوية التي هي بطبيعتها (غير شمولية) ولا تقبل التسلّط الفكري.ويدرس المؤلف (المخيلة الطوباوية) عبر مجموعة من مظاهرها في عوالم الفن والإبداع والكتابة والسينما. وحيث يخلص من هذا كله إلى التأكيد على (التنوع الثري) لهذه المخيلة. كما تتم في هذا الإطار مناقشة مستفيضة لـ (المبادئ التأسيسية لفكرة المجتمع المثالي).
ذلك على أمثلة مأخوذة من الأدب الشعبي لمختلف الأمم. ويذكّر المؤلف في عداد هذه الأمثلة مجموعة الشعارات التي قامت على أساسها حركات سياسية كبرى مثل الثورتين الفرنسية والأميركية. كما يرى أن بعض المشاريع الطوباوية الخاصة بإقامة مجتمعات مثالية تتركز حول شخصية (الزعيم) الذي يريد تجسيد التبدلات الأساسية في مجتمعه.أحد الأمثلة التي يقدمها المؤلف عن (صورة المجتمع المثالي) مأخوذ من عالم السينما وهو يخص الفيلم الأخير للثنائي الساخر الشهير (لوريل) و(هاردي)، الذي جرى عرضه عام 1951.
وتدور أحداث الفيلم بالقرب من بلدة سان رافاييل بجنوب فرنسا، على الشاطئ اللازوردي (الكوت دازور). لقد ورث (لوريل وهاردي)، في الفيلم، جزيرة صغيرة في عرض البحر مقابل الشاطئ الفرنسي للمتوسط، وأرادا أن يقيما عليها مجتمعا مثاليا صاغته أفكارهما (الطوباوية)، مجتمع متحرر من (الفاتورات) والضرائب والقوانين وتدخّل السلطات الحكومية. لكن تلك الجزيرة تعرّضت لاجتياحها من قبل عصابات ومن السكارى الذين أرادوا التمتع بما فيها. ولم ينقذ (لوريل) و(هاردي) من السحل سوى هبوب عاصفة قوية.
ما يركز عليه المؤلف هو أن الغالبية العظمى ممن شاهدوا الفيلم (راودتهم الرغبة في إيجاد مكان شبيه بتلك الجزيرة والابتعاد عن العمل المضني وعن البؤس). لكن المشكلة هي أن العالم الحقيقي هو غير ذلك الذي تصنعه مخيلة المبدعين وأصحاب مختلف المشاريع التي لا تقوم على حقائق الواقع ولا تتغذّى سوى بـ (اليوتوبيا). إن هذه العوالم المثالية موجودة، وستبقى موجودة حسب رأي المؤلف، في الكتب وفي الأساطير الهندية الزاخرة بوصف أمكنة مثالية تغطيها الخضرة وتعجّ بما لذّ وطاب من الأغذية.
لكن الهند تبقى، في الواقع، بلاد عدة مئات الملايين ممن يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر.وإذا كانت الثورات الفرنسية والروسية والصينية صاغت كلها صورة مجتمعات مثالية قبل قيامها. لكن تلك (اليوثوبيا) انتهت إلى صيغ شمولية (توتاليتارية)، في حالة روسيا والصين، وعرفت فرنسا (سنوات من الرعب الرسمي) بعد قيام ثورتها الكبرى وانتهى الآلاف إلى المقصلة (دون أية محاكمة) كما يشير المؤلف ويثبته التاريخ.
ثم إن نابليون وهتلر وستالين قدّموا جميعهم سيلا من الوعود (الأخلاقية) وتحسين الأوضاع الاقتصادية والحرية السياسية. لكنهم خلقوا، كما يشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات، عوالم (تقوم على تجريم الآخرين والوشاية والابتعاد عن كل ما هو إنساني)، كما نقرأ.
(الطوباويون) قد يدفعون الثمن غاليا فـ(توماس مور) قتلوه عام 1535 والثوريون الفرنسيون انتهوا هم أيضا على المقصلة، وغاندي اغتاله هندوسي متزمت.
الكتاب: بحثاً عن اليوثوبيا تاريخ فكرة
تأليف: غريغوري كليز
الناشر: تيمز وهدسون
لندن 2011
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Searching for utopia
Gregory Claeys
Thames and Hudson London 2011
224 p.