حاز الطبيب الفرنسي دافيد سرفان- شرايبر عام 1990 على شهادة الدكتوراه من جامعة بترسبورغ الأميركية عن أطروحة تحت عنوان: (الآليات العصبية- الحيوية للفكر والمشاعر). وبعد أقل من عامين دلّت الفحوص الطبية أنه مصاب بسرطان في الدماغ. منذ ذلك التاريخ بدأ معركته الطويلة مع المرض العضال. وأصدر كتابين أحدهما بعنوان (الشفاء) والآخر (مصارعة السرطان). وهو يعود اليوم ليصدر كتابه الثالث، وربما الأخير، تحت عنوان: (يمكن قول إلى اللقاء، مرات عديدة) .
لقد أعطى المؤلف الطبيب المريض دافيد سرفان- شرايبر آمالا كثيرة لآلاف المرضى وغيّر إلى حد كبير النظرة الشائعة حيال مرض السرطان في كتابيه السابقين، وها هو يعود اليوم لاستكمال ما بدأ مؤكدا أنه يمكن للبشر أن يقولوا "إلى اللقاء" مرات عديدة في حياتهم في كتابه الجديد والذي يمثل أيضا مرافعة المؤلف عن عمله العلمي ويقدّم حواره الصريح مع الموت.
ما كان أكّد عليه المؤلف في كتابه (مصارعة السرطان) هو أن الإنسان باستطاعته أن يدفع إلى الحد الأقصى سبل دفاعه الذاتي ضد المرض. وهو يعود في هذا الكتاب الجديد ليؤكد كثيرا على ذلك (من أجل استخدام جميع الأوراق الرابحة في لعبة الحياة. لكن هذا لا يعني أنه سيفوز فيها مسبقا. أما الطرق المتاحة أمام كل إنسان كي يعزز حقيقة من قدراته الطبيعية على الدفاع الذاتي لا شك فيها).
ما يؤكده المؤلف أيضا هو أن اشتداد المرض، وعندما تصبح الآفاق المنظورة تنذر بالخطر( تبرز من جديد أشكال الخوف التي كان قد عاشها الإنسان في زمن الطفولة، خوف لا عقلاني وربما بدائي يخرج من أعماق النفس). ويشير أنه في الحالة التي وصل إليها أصبحت تتردد على مخيلته (كوابيس) لم يكن ينتظرها أبدا وليس أقلّها أن (ثعابين وذئاب تهاجمه في رقاده).
(الموت) يبدو في هذا الكتاب- الاعترافات هو (الموضوع ) الأكثر أهمية وليس أحد المواضيع المطروحة على المعني فيه. ويؤكد المؤلف- الطبيب أن الحديث عنه يولّد لدى المريض إحساسا خاطئا في أغلب الأحيان، بأن نهايته غدت قريبة، وهذا مصدر قلق أكيد. وإذا كان المحيطون بالمريض يتجنبون دائما الحديث عن الموت، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أنه ليست هناك لحظة (جيّدة) لذكره.
المهم في كل الأحوال كما يقول، هو عدم إشعار المرضى أنه، أي الموت، يقرع على الباب ؛ والحديث عن الموت لم يمنع المؤلف من تكريس صفحات في كتابه للحديث عن النساء والحب وحياته الخاصة. ويبدأها بالقول: (لقد جاءت لحظة تقديم محصلة مسيرة حياتي) ويسأل: ما هي الأمور الجيدة التي فعلتها وأقل جودة؟ فإذا نجحت وبماذا فشلت؟ ثم يجيب: (إن الميدان الذي حققت فيه أقل النجاحات علي أن أعترف أنه ميدان الحب). ويعترف أيضا: (هذا أحد مواضع أسفي الكبيرة).
وهو يشرح ذلك بأفكاره (المشوهة) عن الموضوع. نقرأ: (أتساءل أيضا من أين أتتني تلك الأفكار البلهاء، البليدة والتي أفسدت قصص حبي حتى سن الثلاثين تقريبا). بعد تلك السن عرفت حياته تحوّلا كبيرا ذلك أن اكتشافه لهشاشته وألمه وخوفه (فتح عيونه حول الكنز السرمدي للحياة وللحب). وهذا ما يعبّر عنه بالقول: (أحسست أنني أكثر سعادة من قبل، الأمر الذي لم أكن أنتظره).
يتحدث المؤلف عن أولاده الذين (يشكّلون أجل النجاحات في حياته)، كما يقول. ويؤكد أن الصغيرين يثيران حزنا كبيرا لديه. لماذا؟ (أنا الذي طالما تحدثت عن ضرورة المساهمة في رعاية الآخرين أخشى أنني لم أستطع أن أفعل ذلك لهذين المخلوقين الرائعين اللذين هما بأشد الحاجة إليها) كما يقول.
الكتاب: يمكن قول إلى اللقاء مرّات عديدة
تأليف: دافيد سرفان شرايبر
الناشر: روبير لافون باريس 2011
الصفحات: 158 صفحة
القطع: المتوسط
On peut se dire au revoir plusieurs fois
David Servan- Schreiber
Robert Laffont Paris 2011
158 p.