تكثر النقاشات في الآونة الأخيرة حول آلية عمل الخلايا الحيّة وحدود آمال إطالة متوسط عمر الإنسان. بل ونشرت وسائل إعلام كثيرة أخبارا عن وجود مجموعات (تعمل بالسر) على مشاريع ترمي إلى زيادة أمل الحياة. فهل هذا حلم أم كابوس؟ على مثل هذا السؤال يجيب ميروسلاف رادمان، الأستاذ في كلية الطب بجامعة باريس، وأحد أشهر علماء المورثات وعلوم الحياة في العالم، بكتاب يحمل عنوان: (فيما هو أبعد من الحدود البيولوجية).
ما يؤكده المؤلف هو أن عمليات (الاجتياح) القادمة لن تكون على صعيد الجغرافيا، لكن بالأحرى في مجال العلوم. ذلك أن العلماء يدفعون (أبعد فأبعد حدود المعرفة). ثم إن الباحثين في مختلف مجال العلوم لم يجدوا في أي يوم من الأيام أنهم يمتلكون أدوات (الذهاب) أبعد فيما هو صغير إلى ما لا نهاية، أو إلى ما هو كبير إلى ما لا نهاية بقدر ما يمتلكون اليوم.
إن المؤلف يؤكّد بأشكال مختلفة على الآفاق الهائلة التي تفتحها المعرفة. ويتذكّر أنه، وهو ابن صيّاد السمك الكرواتي، بدأ القراءة عندما كان عمره 4 سنوات حيث كان ينتظر والده و(يفك الحروف) المكتوبة على السفن القادمة وهكذا (أصبحت عبقريا بنظر عمّاتي وخالاتي اللواتي لم يكن يعرفن القراءة والكتابة. وكنت أقرأ لهن أخبار الصحف). لكنه أصبح بعد ستين سنة أحد روّاد (علم المورثات) في العالم.
المهم كما يقول هو أن يحاول الإنسان البحث دائما حيث (يبحث الآخرون) . ويشير أن هذه قاعدة اكتسبها من سنوات مراهقته عندما عمل كبحّار على قارب والده. لقد كان يذهب إلى حيث لم يكن يذهب البحارة الآخرون. وبنفس المنهج من العمل جمع في (شبكته العلمية)، ثلاثة اكتشافات يتم ذكرها في كتب علوم الحياة (البيولوجيا) ومفادها أن (الأطر الجامدة تخنق العلم وليس من وظيفة رجال السياسة ولا رجال الصناعة أن يحددوا للباحثين الاتجاه الذي عليهم أن يسلكوه، وأخيرا أن كل اكتشاف يشكّل مفاجأة أيضا لذلك الذي يكتشفه، وكريستوف كولومبس كان يتجه صوب الهند، حسب اعتقاده، عندما اكتشف أميركا).
أما الفائدة الأساسية التي يحددها المؤلف عن العيش سنوات أطول فتكمن في القول ان ذلك قد يسمح لنا باستخدام الإمكانيات التي يمتلكها دماغنا. إن الإنسان قد طوّر كثيرا من قدراته الدماغية إلى درجة أننا نموت اليوم قبل أن نستثمر بشكل حكيم كل ما كنّا قد تعلمناه. وقصر حياة الجنس البشري يكبح تطوّره الثقافي.
وينطلق المؤلف في تحليلاته العلمية الدقيقة من ملاحظات مفهومة للجميع مثل قوله: تقريبا مثلما تفسد الزبدة أو التفاحة بعد قطفها أو الموزة التي نسيناها في سلة الفواكه، يفعل بنا الأكسجين الموجود في الهواء فعله. كل هذه المواد تميل نحو التأكسد والمواد العضوية لا تشذّ عن القاعدة (...). عندما تتأكسد خلايا جلدنا تمثل تلك اللطخات الصغيرة انعكاساتها (...). لقد بدأنا نصدأ.. ).
وهذا ما يرى فيه المؤلف أيضا بداية فقدان البدن لحيويته. وعندها يبدأ التجّار عملهم. وتتكاثر الدعايات عن المنتجات التجميلية لـ(رأب الصدع) و(ترميم ما أفسده الدهر). ويضع المؤلف في خانة هذه المنتجات كل (مضادات الشيخوخة) و(مضادات الأكسدة) و(مضادات هذا وذاك). ثم يؤكّد قوله: (ليس بهذه الطريقة سيتم الانتصار في الحرب ضد الشيخوخة). ويضيف: (إن وعود التجّار التي لا تتوقف نستطيع نحن علماء البيولوجيا تحقيقه. ونعرف اليوم كيف يمكن منع الأكسدة).
مئة ألف باحث فرنسي
يكشف المؤلف معلومة مهمة، وهي أن فرنسا تمتلك حوالي 000 100 باحث في مجال مختلف العلوم ولا تزال أحد الأقطاب الفاعلة في (المغامرة العلمية) الهائلة التي تخوضها الإنسانية في الحقبة الراهنة. وبالتالي هي مؤهّلة أيضا للمساهمة في (اكتشاف مناطق مجهولة جديدة في قارات العلم).
الجديد في (منافسات) اليوم هو أن (سفن الاكتشاف) لا تحمل أعلاما اسبانية أو هولندية أو برتغالية، كما كان الأمر في زمن اكتشاف كريستوف كولومب للقارّة الأميركية، لكن هناك اليوم سفنا تحمل أعلاما صينية وهندية وروسية.
المعركة ضد الشيخوخة
يرى المؤلف ـ عالم الأحياء أنه بمعرفة مستوى شيخوخة خلايانا (...) قد يمكن وضع برنامج للوقاية الشخصية يكون منه إبطاء تخريب البدن. ويعتبر أن مثل هذا التحدي ليس مستعصيا على الحل. وهو يعود هنا مرة أخرى إلى تجربة حياته. نقرأ: عندما كان .
والدي يلقي بصنارته في البحر على بعد ميل من الشاطئ كان علي أن أحافظ على التوقف بالقارب في عرض البحر بنفس المكان رغم تغيرات سرعة الريح وتوجهات التيارات التي لا حصر لها. إن تعقيد تلك المهمّة لم أجد له مثيلا فيما بعد وحتى في أبحاثي العلمية.