هل يمكن للكاتب أن يكتب كل ما يريد؟ وإذا كانت الإجابة هي بالنفي، ما هي حدود حريته في التعبير؟ وهل هذه الحدود اتسعت مع مرور الزمن في بلد مثل فرنسا أم أن المحظورات لا تزال سارية المفعول دائما بنفس الدرجة؟ وإذا كان باستطاعة الكاتب أن يقول كل ما يريد، فهل يفرض عليه واجبه المهني والأخلاقي أن يخرق قوانين السلطة والتقاليد السائدة؟ .
إن محاولة الإجابة على مثل هذه الأسئلة تشكل موضوع كتاب مؤرخة الأفكار والباحثة في مجال علم الاجتماع "جيزيل سابيرو" الذي يحمل عنوان: "مسؤولية المثقف" الذي تبحث فيه بالتحديد العلاقة بين الأدب والقانون والأخلاق في فرنسا خلال القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين"، كما جاء في عنوانه الفرعي.
القاعدة الأساسية التي تحاول المؤلفة تثبيتها كي تبني على أساسها تحليلاتها تكمن في التأكيد على "عدم إمكانية الفصل بين حرية الكاتب وبين مسؤوليته". وهذا يعني بالتحديد دراسة الدور الاجتماعي للكاتب والبحث في السلطات، الحقيقية أو المفترضة، لفعل الكتابة نفسه. إن المؤلفة تدرس هذه المسائل كلها عبر تاريخيتها ومسارها التطوري في التاريخ الفرنسي.
هكذا تتم دراسة مسؤولية الكاتب في أربعة منعطفات أساسية عرفها التاريخ الفرنسي الحديث. وهي تتناظر مع "فترة الإصلاح" ثم "الإمبراطورية الثانية" فـ"الجمهورية الثالثة" وأخيرا "سنوات التحرير"، أي تحرير فرنسا من الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية.
وتتم العودة في هذه المراحل الأربع إلى العديد من القضايا والمحاكمات التي تعرّض لها كتّاب كبار من أمثال غوستاف فلوبير وشارل بودلير وغيرهما، كما كان موضوعها عدد من الكتّاب الفرنسيين الذين وجهت إليهم تهم التواطؤ مع الاحتلال النازي مثل ميشيل برازيلاك وسيلين وغيرهما. وتعتمد المؤلفة بهذا الخصوص على معلومات أرشيفية يتم الكشف عنها للمرّة الأولى.
وتعيد المؤلفة بدايات اهتمام العدالة والقضاء الحديثين بالأدب وبالرقابة عليه إلى اختراع المطبعة ثم شيوع استخدامها على مستوى واسع وانتشار أفكار متنوعة في ظل "النظام القديم"، أي نظام ما قبل الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. ومع وصول ما سُمي بـ"فترة الإصلاح" التي اتسمت بقدر هام من إطلاق الحريات طرحت بقوة مسألة "حدود" حريات التعبير.
ما يتم تأكيده هو أن المطالبة بفرض الرقابة لم تكن مرتبطة بالسلطات السياسية، ولكن المتزمتين من الكاثوليك عملوا، بل فرضوا في أحيان كثيرة، على منع إعادة طباعة المؤلفات الفلسفية في القرن الثامن عشر، المعروف أنه "عصر التنوير". لقد كان أولئك المتزمتون يرون في أفكار التنوير خطرا على وحدة المجتمع واستقراره ودعوة إلى التخريب و"الهرطقة"، وكانت الجامعات في عصر نابليون قد "فصلت" الفلسفة عن الأدب.
في مثل ذلك السياق أصبح الكتّاب يمثّلون إلى حد كبير "سلطة التخريب" في المجتمع. بالمقابل لم يتردد المؤلفون الليبراليون عن طرح أفكار تنويرية تطالب بأخلاقيات تقوم على الحقيقة والواقع. وأصبحت "المحاكمات" هي الحلبة التي تجري في إطارها كل أشكال النضال من أجل حريّة التعبير. في إطار تلك الحلبة ظهر إلى السطح مفهوم "الالتزام". ذلك بمعنى أن الكتّاب أصبحوا بمثابة "ناطقين باسم الشعب" مقابل النخب القائدة، ذلك باعتباره "يقول كل الحقيقة".
وفي نهاية "فترة الإصلاح" طالب كتّاب عدّة بحرّية المبدعين من أمثال فكتور هوغو الذي أكّد على ضرورة "حرية الفن" عامّة. وبرز بالتوازي مفهوم "الالتزام الجمالي" في الفن والذي جسّدته مقولة "الفن للفن" الذي كان أحد أهم حملة مشاعله في فرنسا تيوفيل غوتييه. تذكّر المؤلفة في هذا السياق رواية "مدام بوفاري" لغوستاف فلوبير الذي استخدم فيها أسلوب وصف ما يجري وليس تقديم "العلاج" لما يتحدث عنه من شرور.
ولا تتردد جيزيل سابيرو في التأكيد أنه يمكن قراءة "مدام بوفاري" كنوع من "المرافعة" أمام المحاكم. بل وتؤكّد أن فلوبير استلهم كثيرا في عمله من القضايا "الأدبية" التي كانت تنظر فيها المحاكم. وتتم الإشارة أن المدعي العام المدعو "بينار" أراد محاكمة فلوبير على أساس ما حملته شخصية رواية "مدام بوفاري" من أفكار والتي اعتبر أنها تدعو لـ"الخيانة الزوجية".
إن الاعتراف بمسؤولية الكاتب دفعت إلى الواجهة نقاش كبير حول هذه المسؤولية وما يترتب عليها من تقليص هامش التعبير المفروض من الخارج أو بفعل "الرقابة الذاتية". مثل ذلك النقاش استمر حتى سنوات الأربعينات من القرن الماضي، العشرين، كما تؤكد المؤلفة.
وترى أن جان بول سارتر تجاوز ذلك التعارض عبر "ربط المسؤولية بالاختيار الحر" للكاتب. هذا الربط شكّل في الواقع صلب نظريته الشهيرة حول "الأدب الملتزم" ورفضه لملاحقة الكتّاب كـ"خونة لوطنهم" كما كان يجري. بالمقابل أكّد سارتر على أهمية ضمان الكاتب لـ"حرية قارئه" وعدم "إسكات خصومه".
الكتاب: مسؤولية الكاتب
تأليف: جيزيل سابيرو الناشر: سويل باريس 2011
الصفحات: 750 صفحة
القطع: المتوسط
La responsabilité de lصécrivain
Gisèle Sapiro
Seuil - Paris- 2011
750 p.