يعد كتاب، الوعي المحلق .. (إدوار سعيد وحال العرب) لمؤلفه يحيى بن الوليد بحثاً علمياً خاصاً ومتميزاً، وهو من تلك الكتب التي تستشرف المستقبل وهي تقرأ الماضي، بموضوعية وتجرد، وان وضح أن المؤلف ارتكز على رؤية وأفكار ادوارد سعيد كمرجعية له، كما هو واضح من العنوان.

 إلا أن القارئ يلمس قدر وحجم المطالعات التي بذلها الكاتب في مجمل الآراء والأسماء التي أوردها سعيد فى بحوثه.. ودخلت ضمن نسيج الكتاب. يتناول المؤلف تحليل النظرة الاستعمارية القديمة الجديدة، من الغرب نحو غيرهم ومنهم العرب.. وما يلخصه المثل القائل: «مات الاستعمار، يحيا الاستعمار».. حيث إن 70% من شعوب عالم اليوم، خضعت للاستعمار بالمعنى القديم، وما زالت تحت تأثير الاستعمار الجديد والمتجدد، بمسميات مختلفة.

ويشير الكاتب إلى أن نظرية «الخطاب ما بعد الكولونيالي» لم تتبلور بعد، كما أن هذه النظرية لا تحاول أن تفسر كل الأشياء في هذه الدنيا، بل تقتصر على الظاهرة الواحدة المهملة، وهي : السيطرة على ثقافة معينة من قبل ثقافة أخرى.ويبدو الآن أن خطاب ما بعد الاستعمار التقليدي، يسعى إلى كيفية استمرارية الحقيقة التاريخية للاستعمار الأوروبي.

في تشكلها للعلاقة بين الغرب و»اللاغرب»، وبالطبع العرب ضمنا.. وهو ما عبر عنه ادوارد سعيد بمصطلح «الخريطة الإيديولوجية» التي ظل الغرب بواسطتها يتحكم أخلاقيا وثقافيا في مستعمراته القديمة ؛ وقد ركز سعيد في كتابه «نهاية عملية السلام» على أنه حتى اليوم لم يحصل ذلك الاعتراف الأوروبي الصريح بـ «خطايا الاستعمار».ويكون من المناسب أن ننقل تلك الفقرة التي كتبها سعيد والتي تبرز أكثر ما توضحه، طريقة تفكيره، ورؤيته العلمية، يقول:»يساورني الانطباع أننا في العالم العربي، نقوم بالنسخ المباشر..

فما أن يقرأ الواحد كتابا من تأليف فوكو حتى يرغب في التحول إلى «فوكوى».. لا توجد محاولة إلى تحويل الأفكار إلى شيء ذي صلة بالعالم العربي.. نحن تحت تأثير الغرب من موقع اعتبرته على الدوام دونيا وتتلميذيا. إننا دائما تحت تأثير فهم ناقص للغرب).لعله من المناسب الآن التوقف أمام ما يمكن أن يضيفه بقية (عنوان الكتاب) ؛ مع الإشارة إلى أنه قال «كنت طالبا فى أوروبا وغربي على نحو كلي»..

في السبعينيات قرأ لنجيب محفوظ، وغسان كنفاني، والطيب صالح، وبالعموم تلك السرديان التي «تضاد المراكز الامبريالية».. وكتب «تأملات في المنفى» وبعض الدراسات النقدية في «السلطة والسياسة والثقافة».وأوضح أول اهتمام مباشر له بالعرب مع مقاله: (حال العرب المأزومة)..

حيث يتساءل (لماذا نحن على هذه الحال؟)، وبالتالي اعتبره البعض بدات اهتماماته بالاستشراق. وقد أبرز صبري حافظ في مجلته الالكترونية (كلمة) أن الاهتمام بالاستشراف بدأ مع هزيمة عام 1967م، حيث كتب كتابه «المواجهة الإسرائيلية.. العرب في يونيو 1967: منظور عربي) ومنذ تلك الفترة يكتب ادوارد سعيد بجرأة وعلمية ووضوح عن العرب.. فى موضوعات تتعلق ب: العالم العربي.. العرب فى أميركا.. الحق العربي المسلوب.. الذهن العربي.. القومية والثورة.. واجب العرب تجاه أولياتهم، وما إذا كانوا يرغبون السلام.

كما كتب فى الأدب (الرواية والشعر): الأدب الجديد فى العالم العربي.. وكذا عن اللعبة الصهيونية (أو جائزة نوبل) موضحا أن (محمود درويش رفض وأعلن عن رفضه لدخول تلك اللعبة) ؛ وأيضا كتب عن الإسلام، سواء حول معنى الإسلام، والهوية السردية للإسلام، وحول التهديد للاسلامى المزعوم والذي شاع بالذات بعد ضرب البرجين فى نيويورك، وتغطية وسائل الإعلام عن الإسلام، وصلة الاستشراق بالإسلام، والشرق المتخيل...الخ.

ثم كانت كتاباته عن فلسطين، وكيف أنه ولد على يد (قابلة) يهودية فى طليطلة، التي طرد منها العرب فى 1948م؟ وكتب عن أحوال ومعانات الفلسطينيين، ومسار الشعب الفلسطيني، وتصوره لمستقبل فلسطين وقضيتها، ثم عن السلام والحق الفلسطيني. مثلما كتب عن لبنان، وصناعة الرأي العام الأميركي.. كل ذلك من خلال الكتب، ومقالات صحافية، وأحاديث إذاعية وتلفزيونية.. بشفافية وموضوعية علمية، تضعه في مصاف التنويريين العرب المحدثين.

 

 

 

الكتاب: الوعي المحلق ادوارد سعيد وحال العرب

تأليف: يحيى بن الوليد

الناشر: هيئة الكتاب المصرية 2010

 

الصفحات: 464 صفحة

القطع: المتوسط