في هذه الفترة التي شهدت تفجّر الفضيحة الخاصة باتهام دومينيك ستروس كاهن، المدير السابق لصندوق النقد الدولي، بالتحرّش الجنسي بإحدى العاملات في فندق كبير بنيويورك، صدر في مطلع شهر يونيو الماضي كتاب للباحثة في علم الاجتماع والصحفية الأميركية مراسلة "نيويورك تايمز" في باريس، ايلين سيولينو، تحت عنوان: "
محاولة جذب الآخرين :كيف يعيش الفرنسيون لعبة الحياة"؟ وتؤكّد المؤلفة أن ممارسة "قوة جذب الآخرين" تلعب دورا هاما وحاسما ومركزيا بالطريقة التي يتعامل فيها الفرنسيون مع الآخرين. هذا ليس على صعيد العلاقات العاطفية فحسب.
ولكن أيضا في طريقة ممارستهم لمختلف النشاطات وفي مختلف المجالات. إنهم يسعون لتأكيد "قوة جذبهم" في طريقة الطعام وشهرة "المطبخ" وجودة المنتجات الفرنسية التي نالت شهرة على صعيد العالم كله وفي طريقة التصرّف وعلى صعيد النقاشات الفكرية. إن مرجعية "قوة الجذب" تمثّل باختصار "علّة الوجود" بالنسبة للفرنسيين، ووسيلة فوز السياسيين بالانتخابات، حيث أصبحت قوة الجذب الفرنسية فلسفة كاملة للحياة، بل وإيديولوجية في التصرف حيال الآخرين.
والأمثلة التي تسوقها ايلين سيولينو عديدة فيما يتعلّق بمحاولة الفرنسيين لعب ورقة جذب الآخرين. فهذا هو برنار كوشنر، وزير خارجية فرنسا الأسبق، يحرص، قبل لقائه الأول بالسيدة مادلين اولبرايت، على تقديم باقة من الورود.
والرئيس السابق جاك شيراك كان قد جعل من "تقبيل" يد سيدات في عدادهن انجيلا ميركل وغودوليزا رايس ولورا بوش "سلاحا دبلوماسيا". تقول المؤلفة: "إن قبلات السلطة تلك كانت بالنسبة لي هي الدرس الأول الذي سمح لي لفهم أهمية محاولة جذب الآخرين في فرنسا".
ولعل عنوان الفصل الأول من الكتاب "الحرية، المساواة، الجذب" يحيل بوضوح إلى المكانة التي تحتلها مسألة "الجذب" بالنسبة للفرنسيين الذين يتحدد شعار دولتهم بـ"الحرية، المساواة، الأخوّة". تقول المؤلفة "لا يكفي امتلاك قدرة الإقناع بل ينبغي أيضا معرفة كيف نجذب الآخرين".
وتعتبر أن مثل هذا القول هو أحد المحركات الأساسية في طريقة العيش الفرنسية. وتضيف: "المرة الأولى التي جرى فيها تقبيل يدي على الطريقة الفرنسية كانت في صالون نابليون الثالث بقصر الاليزيه".
إن المؤلفة تتحدث أيضا عن "طريقة" تقبيل الفرنسيين لليد، فإذا كان الرئيس السابق جاك شيراك يجعل "شفاهه" تلامس اليد التي يقبلها، مما يعبّر عن "حرارة" الحركة، كما تنقل عن موريس ليفي، صاحب مؤسسة "بوبليسيس" الشهيرة للإعلان تحديده طريقة أخرى بالقول:
"القبلة الحقيقية لليد تقتضي أن لا تلامس الشفاه اليد التي تتوجه لها، لكن ينبغي الاقتراب منها إلى درجة الإحساس بها"، ويضيف أن مدى "الذهاب أبعد" في الاقتراب يحدد المقصد من القبلة وأبعاد "الدعوة" التي تختبئ ورائها. وبعد أن تشرح المؤلفة الموقف الثقافي والاجتماعي الانكليزي والانكلو سكسوني عامة والذي يتسم بـ"السلبية الكبيرة" وبنوع من الرفض الضمني وحتى "الاستهجان" تشير إلى أنها أدركت سريعا بعد إقامتها في باريس أن الأمر هو "عكس ذلك تماما" في فرنسا.
في فرنسا اللعب على مفهوم "الجذب" موجود في كل مكان، كما تشرح ايلين سيولينو. حيث نجده في المقاهي وعلى لوحات الإعلانات التي تقدّم غالبيتها العظمى صور نساء شابّات "جذّابات" للترويج لمختلف السلع من السيارات وحتى مشتقات الحليب. وتنقل المؤلفة عن "جاك سيغيلا"، خبير الإعلان الكبير الذي كان، إلى حد كبير، وراء فوز فرانسوا ميتران بالانتخابات الرئاسية عام 1981 وفوز الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي عام 2007، قوله: "
أنا كازانوفا الذي عليه أن يجذب 3,5 مليار امرأة في العالم". لكن ما هو موقف المفكرين والفلاسفة والمثقفين الفرنسيين من مفهوم الجذب؟ إن المؤلفة تروي للقارئ تفاصيل زيارتها لمنزل الفيلسوف برنار هنري ليفي وزوجته الفنانة ارييل دومبال التي لا تتوقف عن مناداة الفيلسوف: "يا ملاكي" قبل أن تهتم بتقبيله مع التصريح: "قوة الجذب هي الحياة. الأميركيون يخافون من جذب الآخرين لهم، أما في فرنسا فإنني لا أتردد عندما أرى امرأة جميلة من أن أقول لها ذلك. لكن علي أن أحجم عن ذلك في الولايات المتحدة".
وماذا عن الرئيس نيكولا ساركوزي تقول المؤلفة إنه لم يكن أبدا "موضوع مقابلة جذّابة" وتشير أنه في نهاية لقاء اتسم بقليل من العدائية كان "يتململ دون توقف في كرسيه وكأنه لم يكن ينتظر سوى مغادرتنا". لكنه، أي الرئيس الفرنسي، عدّل تماما من "جلسته" عند التقاط الصور.
وبالطبع تتعرض المؤلفة لشخصية دومينيك ستروس كاهن الذين تزيّن صورة له "مبتسما" إحدى الصفحات الداخلية للكتاب. وكان "يبحث" عن ممارسة قوة جذبه. وكما جاء في تعليق عابر على هذا الكتاب من قبل برنار كوشنر وزير الخارجية الفرنسية الأسبق: كان لا بد من امرأة أميركية وصحفية لتقديم كتاب جذّاب عن فرنسا والفرنسيين.
الاستثناء الفرنسي
تؤكد المؤلفة أن فرنسا "التي تعادل بحجمها ولاية تكساس الأميركية" تتشبّث كثيرا بما تعتبره "الاستثناء الثقافي الفرنسي". أو هذه "القوة الهادئة" التي تمثّل بالنسبة للفرنسيين، قادة ونخبا وشعبا، نوعا من "التعويض" عن واقع تقهقر النفوذ الفرنسي على المسرح الدولي. ففرنسا لم تعد أكثر من "قوة متوسطة"، بعد أن كانت إحدى القوى الكبرى في العالم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
الكتاب: محاولة جذب الآخرين، كيف يلعب الفرنسيون لعبة الحياة
تأليف: ايلين سيولينو
الناشر: تايمز بوك نيويورك - 2011
الصفحات: 352 صفحة
القطع : المتوسط